ألمانيا، طريق الصدفة

Text/Images

1

Marwan Kasab Bachi, Untitled, 1974

 

خلال المئة سنة الأخيرة، وهو تقريباً عمر الحركة التشكيلية في سوريا، سافر الكثير من الفنانين السوريين إلى أوروبا لدراسة الفن. فضّلَ معظمهم العودة إلى البلد، في حين أن بعضهم قرروا البقاء في الخارج. فمنذ البدايات كانت أوروبا، متمثلةَ بفرنسا وإيطاليا، المدرسة الكبرى للفن الحديث بالنسبة لهم. وغالباً ما تساءلنا: لماذا يذهب الفنانون السوريون للإقامة في أوروبا؟ هل هرباً من صعوبة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي في البلاد ؟ أم بالأحرى لأنهم كانوا يشعرون بأنهم مقيّدون بممارسة فنهم، وأنهم بسفرهم سيصبحون أكثر حرية وعلى تواصل مباشر مع الحياة الثقافية العالمية؟ وماذا عن إنتاجهم الفني في تلك البلاد، هل نستطيع تسجيله ضمن الحركة الفنية فيها ، أو أنه قد تطور متماهياً مع التيارات والحركات التي تظهر فيها و متأثراً بها ، أم بقي يعمل على هامشها؟

سنتتبع هنا علاقة الفنانين السوريين بألمانيا، منذ بدايتها وحتى الآن، ربما نلقي الضوء على أهمية هذه التساؤلات أو الأفكار في تطور حركتنا التشكيلية اليوم، دون أن نتمكّن من الإجابة عنها بشكل معمّق، بل نترك هذا الأمر للقارئ المهتم كي يتابعها من خلال قراءاته. 

في مراجعة صغيرة لأسباب السفر، يبدو لنا أن الأمور متعلّقة أولاً بالتحصيل العلمي أو متابعة دراسة الفن ومن ثم تأتي الأسباب الأخرى. أما الاستقرار في بلد الاغتراب فيرتبط غالباً بالنجاح الذي قد يحققه الفنان فيها ، أو بمسائل تتعلق بوضع سياسي أو نتيجة الاستكانة لطريقة حياة قد اعتادها، عندها تصبح العودة إلى الوطن الأم مربكة من عدة نواحي.

3a

Marwan Kassab Bachi, Untitled, 1996

وخلال هذه الفترة الزمنية تأتي ألمانيا، كوجهة لدراسة الفن والإقامة فيها في مرتبة قد تكون أقل أهمية من غيرها. ففرنسا على سبيل المثال، ممثَّلة بعاصمتها باريس،  قد استقطبت وجوها معروفة كالراحل صخر فرزات (1943-2007) وعز الدين شموط (1940-) وأسعد عرابي (1941-) ويوسف عبدلكي (1951-)، الذي قضى فيها أكثر من عقدين من الزمن قبل عودته إلى وطنه، وغيرهم. 

يقترن اسم ألمانيا لدى المهتمين بالفن أولاً باسم مروان قصاب باشي (دمشق 1934 - برلين 2016) وهو الفنان السوري الأكثر شهرة فيها وربما الأكثر شهرة عالمياً. فهو أحد الوجوه الطليعية في ألمانيا خلال فترة الستينيات، وقد عاصر في تلك الفترة بازيليتزBaselitzوشونبيك Schönebeckالذي عرفه في كلية الفنون الجميلة. 

3

Marwan Kassab Bachi, Untitled, 1990

 

 

بعد نيله الشهادة الثانوية، لم يتردد مروان في اختيار الفنون الجميلة للدراسة، وكانت الدراسة والعيش في باريس حلماً شخصياً غالياً له. لكن حرب السويس عام 1956 بما أفضت إليه من قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا قد أوقفت هذا الحلم، فكان من قصاب باشي أن غادر إلى برلين سنة 1958. 

كان المجتمع البرليني الذي وجد الفنان نفسه فيه ، مختلفاً جداً عن مجتمعه ، لذا فقد لجأ في البداية إلى الأرابيسك والزخارف الشرقية كردة فعل تحميه من التيارات المعاصرة السائدة آنذاك. لكن خلال سنته الدراسية الثالثة تحرر رسمه وانفتح على آفاق جديدة. منذ عام 1964 بدأ بتنفيذ تشكيلات أولية لوجوه شعراء ومفكرين عرب، مثل منيف الرزاز وبدر شاكر السياب. وبعد عدة سنوات، أحدثَ مروان تغيراً كبيراً في أسلوبه أصبح هويةً مميزةً له، فصار يعتمد وجهه كأساس للوحة، جاعلاً إياه يحتل كامل مساحتها تقريباً. واستمرّ تطوير هذا الوجه ـ المشهد الطبيعي، مرافقاً الفنان حتى رحيله سنة 2016. أصبح الوجه الإنسان والطبيعة في الوقت نفسه، وكان عبارة عن مكان جغرافي محدد، ثابت في ذاكرة الفنان: الربوة الدمشقية وجبل قاسيون الذي يشرف على المدينة، هكذا يردد السوريون المتحمسون لمروان. لكن مروان استطاع أن يدرج عمله بسهولة في حركة الفن المعاصر الأوروبي، وأصبح أحد أعلامها. كذلك سُميَّ أستاذاً في مدرسة الفنون الجميلة في برلين عام 1979. 

4 -

Burhan Karkutly, 1977

 

 

كان المجتمع البرليني الذي وجد الفنان نفسه فيه ، مختلفاً جداً عن مجتمعه ، لذا فقد لجأ في البداية إلى الأرابيسك والزخارف الشرقية كردة فعل تحميه من التيارات المعاصرة السائدة آنذاك. لكن خلال سنته الدراسية الثالثة تحرر رسمه وانفتح على آفاق جديدة. منذ عام 1964 بدأ بتنفيذ تشكيلات أولية لوجوه شعراء ومفكرين عرب، مثل منيف الرزاز وبدر شاكر السياب. وبعد عدة سنوات، أحدثَ مروان تغيراً كبيراً في أسلوبه أصبح هويةً مميزةً له، فصار يعتمد وجهه كأساس للوحة، جاعلاً إياه يحتل كامل مساحتها تقريباً. واستمرّ تطوير هذا الوجه ـ المشهد الطبيعي، مرافقاً الفنان حتى رحيله سنة 2016. أصبح الوجه الإنسان والطبيعة في الوقت نفسه، وكان عبارة عن مكان جغرافي محدد، ثابت في ذاكرة الفنان: الربوة الدمشقية وجبل قاسيون الذي يشرف على المدينة، هكذا يردد السوريون المتحمسون لمروان. لكن مروان استطاع أن يدرج عمله بسهولة في حركة الفن المعاصر الأوروبي، وأصبح أحد أعلامها. كذلك سُميَّ أستاذاً في مدرسة الفنون الجميلة في برلين عام 1979

سافر مروان قصاب باشي إلى ألمانيا إذن صدفة ، كونها كانت المتاحة أمامه، وهذا ما حصل مع برهان كركوتلي (دمشق 1932 ـ بون 2003) الوجه الفني الآخر والكبير، الذي أقام في ألمانيا حتى رحي

ولد كركوتلي في دمشق وسافر إلى القاهرة سنة 1952 وأنهى دراسة الفنون فيها عام 1958. غادر القاهرة إلى إسبانيا ومنها إلى المغرب حيث عمل في حقل الصحافة اليسارية. وبعد أن تعرّض هو والمجلات التي عمل فيها إلى مضايقات، نجح صديق له في أن يحصل له على منحة دراسية إلى ألمانيا الشرقية

4a

Burhan Karkutly, 1971

 

وصل كركوتلي إلى برلين عام 1961 ، وتابع دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في برلين الشرقية ، وهناك عمل إلى جوار فنانين مثل الرسام هرالد هاكينبيك Hakenbeck وكورت روبل Kurt Robbel، كما اكتشف كركوتلي الفنانين التعبيريين الألمان. سافر مجدداً إلى المغرب، ثم عاد إلى مانهايم في ألمانيا الاتحادية 1964، ثم إلى دمشق إلى أن هرب منها عبر لبنان سنة 1969 ليستقر بشكل نهائي في ألمانيا حتى وفاته. أسّس كركوتلي أسلوباً جديداً كان في الواقع استمراراً لأسلوبه الذي ابتدأه منذ نهاية الخمسينيات والذي يرتكز على مشاهد مستوحاة من حياة القاهرة ودمشق، وكانت هذه المشاهد تشتمل على تزيين نسيج اللوحة بشكل كبير بالأشكال الشعبية العربية. يقول كركوتلي " كان ذلك أسلوباً كنت أغوص فيه، في لحظات الحزن، لكي أنسى نفسي". كان كعمل مروان في البداية، أشبه بردة فعل دفاعية ضد العالم الأوروبي الغريب، وكسلاح ليحافظ به على توازنه. ثم تعرف الفنان في مطلع السبعينيات على مجموعات فلسطينية في ألمانيا دعمت نشاطاته ، ومذاك، أصبح الأكثر التزاماً بالقضية الفلسطينية. أما في أواخر حياته، تنقّل كركوتلي بين المدن الألمانية ليحيي حفلات الحكواتي ويكسب معيشته، وبقي يمارس الرسم بشكل عرضي بسبب رجفة سيطرت على حركة يده

5

Rida Hus Hus, Untitled, 2004

و من السوريين الذي ترددوا على ألمانيا فترة من الزمن ابتداءً من سنوات التسعينات بعد دراسته في دمشق وباريس، رضا حسحس (1939- 2016)الذي عمل في أكثر من حقل ثقافي وفني قبل أن توافيه المنية في مانهايم. 

وأيضاً من الأسماء البارزة من بين الفنانين السوريين الذين استقروا في ألمانيا الفنان بهرام حاجو، من مواليد القامشلي سنة 1952، والذي حمل كمروان وكركوتلي ذاكرته، القروية هنا، ليحمي بها نفسه من "برد الغربة" كما يقول. قدِمَ حاجو إلى ألمانيا الشرقية مروراً بتشيكوسلوفاكيا ومتسللاً منها إلى الغربية هرباً من أوضاع سياسية جرت معه في بغداد حيث ذهب لدراسة الفنون. تخرج الفنان من أكاديمية مونستر للفنون سنة 1984 وبقي في هذه المدينة حتى يومنا هذا. يرى حاجو نفسه في ألمانيا عارياً تماماً من الدفء والأمان والترابط الإنساني، لذا يرسم "عراة لا يحميهم سوى جلودهم، يقفون داخل مساحات بيضاء فارغة، بعيون حائرة".

6

Burhan Karkutly, 1979

وكما حمل القدر ،لا القرار الشخصي المحض، مروان وكركوتلي وحاجو قبل عقود من الزمن إلى ألمانيا، فها هو يلعب دوراً في دفع فنانين ومثقفين سوريين يقدر عددهم ببضع مئات، للقدوم إلى ألمانيا هرباً من الموت الدائر في بلادهم منذ عام ٢٠١١ وحتى اللحظة. فتحت ألمانيا ذراعيها لاستقبال اللاجئين السوريين، كما استقبلت غيرهم من جنسيات البلاد المنكوبة بالحروب، وقد وصل عددهم إلى مئات الآلاف. من جملة هؤلاء فنانون شباب هم الأكثر عدداً، ومحترفون أتوا بطرق مختلفة، فمنهم من ركب مغامرة البحر ومنهم من أتى بطرق نظامية وتدبر أمره للحصول على الإقامة. 

بدأ معظم الفنانين بممارسة نشاطهم الفني فور وصولهم إلى ألمانيا، فقد أتاحت لهم المنظمات والدوائر الحكومية و غير الحكومية، أو حتى أفراد تطوعوا لخدمة اللاجئين، الفرصة بالعمل من خلال توفير الأدوات أو المكان/المرسم في بعض الأحيان. كذلك حصل البعض على تمويل ودعم للمشاريع الفنية ، وفُتحت لآخرين أبواب العرض في صالات بلديات أو جمعيات أو مراكز ثقافية أو مكتبات، حتى بتنا نسمع كل أسبوع ربما بنشاط لفنان سوري أو لمجموعة منهم. 

من بين هؤلاء فنانون محترفون لهم تجربتهم السابقة والتي بدأت في البلد الأم وتابعوا فيها هنا في بلد "اللجوء" ومنهم من بدأ هنا يتلمس طريقه إلى الإبداع أو بدأ بالدراسة ، ولن نستطيع في هذه مقالنا هذا أن نتكلم عن الجميع بشكل وافٍ ، بسبب عددهم الكبير.

في الحقيقة، إن قلّة فقط من الوافدين الجدد قد استطاعت الدخول إلى سوق الفن الحقيقي أو الاحترافي، فصالات العرض الخاصة ما زالت موصدة الأبواب في وجه الأغلبية. وهنا تكمن المشكلة التي يعاني منها من كان لهم " اسم"في المشهد الفني في منطقتنا، فلا العرض في الصالات غير الاحترافية مجدٍ، ولا هم قادرون على التسلل إلى الصالات التسويقية ، حتى الآن على الأقل، وهذا ليس بغريب وغير مقلق بنظرنا لمن يسعى.

و من الفوائد التي يمكننا التحدث عنها، التحاق العديد من الشباب بمدارس وأكاديميات الفن الألمانية. الفائدة الأولى شخصية تتعلق بتطور الشاب ودخوله الحياة الفنية في ألمانيا من بابها الواسع، أو على الأقل من خلال دخوله في نظام البلد و عبر لغتها. كذلك يمكننا الإشارة إلى الانعكاس الإيجابيعلى التجربة الفنية السورية المتمثّلبدراسة الفنون المعاصرة من تجهيز وفيديو آرت وديجيتل آرت وفنون الأداء على أيدي أساتذة وأكاديميين مختصين بشكل مباشر وليس عن طريق الاجتهاد الشخصي الذي قد لا يثمر أو يتطور سريعاً.

ختاماً، ربما نستطيع القول بأن ألمانيا كانت بالنسبة للفنانين السوريين وجهة سفر لا إرادية أو خياراً متوافراً أفضل من غيره. والآن ننتظر مرور الزمن لنعرف ما سيؤول إليه الأمر لدى فناننا المغترب هل سيستطيع أن يؤسس نفسه في هذا البلد كإبن له ، بعيداً عن الأفكار الأروثوذكسية حول الأصالة والتراث كمروان أم سيختار الحنين والحلم طريقا له كالكركوتلي؟