العمل في ألمانيا

Text/Images

1

Manaf Halbouni, What If, 2015

تاريخيّاً، لم تكن ألمانيا واحدة من الوجهات الرئيسية الثلاثة التي سافر إليها الفنانون السوريون من أجل دراسة الفنون والتي تمثّلت بمصر وفرنسا وإيطاليا. مع ذلك، فهي لا تقل أهمية عن تلك البلاد، فهي احتضنت أفواجاً من المواهب السورية ابتداءً من أكثرهم شهرة : مروان قصاب باشي. اليوم، وفي ظل النزاع القائم، تشكّل ألمانيا وطناً لحوالي نصف مليون سوري، من بينهم جيل جديد من الفنانين الذين انتقلوا إلى حياة جديدة و بدأوا يتكيّفون مع ممارسات فنية حديثة.  نتحدّث مع الفنانين فادي الحموي المقيم في برلين ، و مناف حلبوني المقيم في درسدن، عن عملهما وتجاربهما في ألمانيا و عن نشاطكل منهما في الاستديو الخاص به. 

تعدّدت أسباب هجرة الفنانين إلى ألمانيا على مر السنين، فقد ذهب إليها البعض لمتابعة الدراسات العليا وبقوا فيها لأسباب شخصية أو سياسية. والبعض الآخر، مثل فادي الحموي، في الخامسة و الثلاثين من العمر ،لجأوا ساعياً إلى إيجاد توازنٍ بين الممارسة الفنية ، والتنقل الذي يبدو لا نهاية له ، وأيضاً معركتهم ضد النمطية. هنالك أيضاً من ذهب إلى ألمانيا منذ أكثر من عقدٍ من الزمن ، مثل مناف حلبوني، والذي بقي مثل البدوي الأبديّ الترحال، غير قادر على التصالح مع فكرة "الوطن" فيها. 

2

Manaf Halbouni, Nowhere is home Museum der Bildenden Künste Leipzig

تاريخياً، سافر الفنانون السوريون إلى القاهرة و روما وباريس لمتابعة دراستهم في الفنون الجميلة، كما أن ألمانيا أيضاً استضافت حصّتها من طلاّب الفنون. خلال العقد الماضي، ازداد تدفّق السوريين إلى ألمانيا للأسباب التي نعرفها ونتج عنه تغيّرات حادّة في التركيبة السكّانية.

إذاً ماذا عن تجربة هذين الفنانين؟  وصل كل منهما إلى ألمانيا لأسباب مختلفة وفي أوقات مختلفة. تشمل أعمالهما نطاقات مختلفة ولكن هنالك بعض الخيوط المشتركة التي تربطهما معاً ، بما فيها الاهتمام بالمادة والعلاقة بين الانتماء وعدم الانتماء. على سبيل المثال، انتقل مناف حلبوني إلى درسدن في عام ٢٠٠٩ للدراسة في معهد الفنون هناك وعمل بعد ذلك مع البروفيسور أيبرهارد بوسليه.  تناولت أعماله أفكار الانتماء المؤقّت.  يستخدم حلبوني غالباً مادة الإسمنت التي يقول عنها أنها: « تشع بالقوة والسُلطة، وهي مقاومة لكل شيء.»  أحد أشهر أعماله سلسلة « اللامكان هو الوطن» عام ٢٠١٥ حيث ملأ السيارات بأغراض معروضة كمنحوتات تشهد على المرتحلين الجُدد بأعدادهم الكثيرة ، و الذين دفعتهم  الحرب السورية. 

3

Fadi Al-Hamwi, Sugar Forever, 2019

يستخدم فادي الحموي الإسمنت أيضاً إضافة إلى مواد أخرى، وخاصة في عمله «حلقة غبار لا عقلانية » المنجز عام ٢٠١٧، حيث قام بصبّ سجّادة شرقية من الإسمنت وطلب من الناظرين أن يسيروا فوقها. يشهد هذا العمل بقوة على محوِ هوية بوجود هوية أخرى. من خلال عمله عبر وسائط متعددة (الرسم والفيديو والتجهيز)، يهتم الحموي باستكشاف الروابط المعقّدة بين الثقافات والقصص التاريخيةكما في عمله الأدائي «سكّر إلى الأبد». صنع الفنان طوب البناء على الشكل الذي يصنع فيه الطوب في سوريا، ولكن من السكّر، مستلهماً من التاريخ المعقّد لمادة السكّر ودورها في العبودية والاقتصاد ، و كذلك دور ألمانيا في إنتاج الأسلحة، مع أنها أصبحت وطنه.  يُعلّق الحموي بقوله: « إنه حلو الطعم ولكنه سمّ في الوقت نفسه.» 

pic

Fadi Al-Hamawi, Spoils, 2017

4

Manaf Halbouni, From Deraa "Men Daraa," 2013

 

برلين: مركز الفرديّة ؟

يرى كل من الحموي وحلبوني بأن برلين تتميّز ببيئة متحررة ومتجدّدة بفضل سكّانها الشباب. « برلين مليئة بالشباب الذين يعملون على مشاريع جديدة مُفعمة بالحياة والأفكار. تتميّز بانفتاحها وتُتيح لك أن تكون نفسك » يقول الحموي، ويضيف : «لكنني أعتقد أن هذا الأمر خاص ببرلين فقط وليس بالضرورة بألمانيا ككُل. ربّما يعود السبب إلى تاريخ المدينة ، فالصدمات العنيفة من جراء الثورة والحرب أنتجت نوعاً من التحرّر و التجريب. وهذا بدوره يُوفر لك الحرية لكي تركّز على من أنت وكيف تريد أن تكون، دون أن تخضع للرقابة الاجتماعية كما لو كنت في سوريا مثلاً أو حتى في مدنٍ أوروبية أخرى. » 

أما حلبوني فيحذّر بقوله : « الحرّية في مدينة كبيرة لها ثمنها أيضاً. حيث أنا في درسدن، أنظر إلى برلين وأرى الكثير من النفوس التائهة وخاصة في المشهد الفني والثقافي.  يصل الكثيرون إلى هنا وكّلهم آمال وأحلام ربّما تكون أوهاماً. لا تدمّر نفسك من خلال مطاردة مستقبل صعب المنال. في الحقيقة، لا أعتقد أن الأمر يتعلّق ببرلين فقط ، بل أن المشكلة قائمة في كل مدينة كبرى مثل لندن، باريس، نيويورك الخ ... يمكن أن يُصاب الناس بصدمة مع الواقع مقابل توقعاتهم عن هذا الواقع ذاته.» يقول الحموي : « برلين مُلهمة وجميلة ولكنني في الوقت ذاته أشتاق إلى بنية الأسرة.  برلين تؤمّن لك الفردية وأنا أفتقد إلى الحياة العائلية.  أحب أن أتكلّم مع الصغار جداً والكبار جداً إذ يمكن أن نتعلّم معهم كثيراً عن الحياة ونكتسب وجهات نظر جديدة.»  

4b

Fadi Al-Hamawi, Mind Static, 2012

التحدّيــات المهنية والدعــم

التحدّيات الأكبر بالنسبة لمعظم الفنانين هي توفير الدعم والتمويل لأعمالهم.  بالنسبة للفنانين المنتقلين إلى بلاد جديدة، هنالك عقبات إضافية مثل تنفيذ إجراءات الإقامة وإعادة بناء شبكات التواصل.  يقول الحموي : « كانت التحديات كثيرة، فعلى المستوى المهني، توجّب البحث عن الأدوات والمواد ، كيف وإلى أين أذهب لتقطيع المعادن أو تنفيذ أشغال الخشب مثلاً. ثم كان هناك التحدّي بأن أكون في حالة ذهنية ملائمة لإنتاج الفن . بصراحة، كانت هذه المسألة هي الأصعب، إذ تتطلّب الكثير من الصبر.»

أما الحلبوني فيقول :« هنالك أيضاً العامل الإنساني. إذ أن التحدّي الأعظم هو العثور على عددٍ كافٍ من الناس الذين يؤمنون بك وبأفكارك لمساندتك. أنا لا أقصد الحصول على المال بل على الدعم المعنوي ومساعدتي على التواصل وتعريفي على أناسٍ يفكّرون مثلي . ولقد كنتُ محظوظاً لأنني استطعت إنشاء شبكة تواصل كبيرة في درسدن خلال الأحد عشر عاماً الفائتة. يجب أن تجد أشخاصاً يؤمنون بالفكرة ومستعدون للمجازفة.»

العامل الثاني هو طبعاً الدعم المالي. يذكر الحموي مثلاً أعمالاً مثل «سكّر إلى الأبد» ويتكلم بصراحة عن « صعوبة الدعم المالي»، فيشرح قائلاً : « إن الكثير من أعمالي غير تجارية، لذلك من الصعب أن أكسب عيشي منها ولكن عليّ أن أستمر في عمل ما أؤمن به». أما حلبوني فيقول :« أتيتُ إلى ألمانيا في عام ٢٠٠٨ في وقتٍ لم يكن أحد يعرف أي شيء عن سوريا.  دفعتُ كل التكاليف بنفسي وعملتُ لتمويل دراستي.  علّمتني ألمانيا أن أكون قوياً وأن أحارب من أجل تحقيق أحلامي. » 

pic

Manaf Halbouni, Monument Dresden Blick auf Frauenkirsche

5

Fadi Al-Hamwi, TV, 2014

حياة الاستوديو

تقول فيرجينيا وولف : أن يكون لك مساحة خاصة بك هو شيء أساسي للعمل الإبداعي. إذاً، الانتقال إلى بلدٍ آخر بالنسبة لمبدع لا ينطوي فقط على الاستقرار في وطن جديد، ولكن هو تحدّي مضاعف لإيجاد وطنين : للحياة وللعمل. يقول الحموي :  « حللتُ في استدويوهات مختلفة أثناء إقامتي هنا. ما زلتُ أستكشف نفس الأفكار التي كنت أدرسها في دمشق ، لربما تختلف المواضيع،  كما أن الأماكن التي أعرض فيها أعمالي قد تغيّرت ولكنني ما زلتُ مهتمّاً بالمجتمع وقضاياه الكثيرة. لا يمكنني القول بأنني أتبع روتين استوديو محدّد، بما أن ذلك يعتمد بشكل كبير على نوعية العمل، لكن المفهوم الثقافي الجديد كان له تأثيراً بالتأكيد. إنّه خليط مشوّق أن تلاحظ وتتعلّم أسلوب حياة ثقافي جديد وكيف يظهر ذلك الأسلوب في عملك لكن دون فقدان أصالتك و هدفك وما يجعلك أنت ذاتك. »

أما بالنسبة لحلبوني فإن تجربة الاستوديو أكثر هدوءاً « لكونِ درسدن بعيدة عن برلين (حوالي ٢٠٠ كم) وحتى في ذلك الوقت لم تكن هي الخيار الأول.» يقول الفنان. ثم يضيف : « في البداية كنتُ أنوي الذهاب إلى هامبورغ ولكنني لم أوفّق. والدتي من درسدن، لذا كانت هي الخيار الطبيعي.  يتناول عملي بشكل أكبر مسألة : أين هو الوطن، أكثر من أية تساؤلات أخرى تتعلّق بالهوية.» تسمح التجهيزات النحتية الكبيرة مثل السيارات في عمل« اللامكان هو الوطن» لحلبوني بأن يطرح أسئلة مثل : ما هي الأشياء التي تمثّل الوطن بالنسبة لك؟ ماذا تأخذ معك؟ وماذا تترك وراءك؟  

«سوري» أم « فنان»؟

يعترف الحموي: « إنه لشيء مزعج حقاً بأن كلمة سوري تأتي دائماً قبل كلمة فنان.  لماذا يجب أن أكون سورياً قبل أن أكون فناناً؟ هذا يقلّل من شأن المرء كفردٍ. كيف نحارب هذه النمطية؟  فالسؤال  إذاً هو كيف يمكن للفرد أن يندمج ويستقر عندما يتم تذكيره دوماً بأنه مختلف؟» ويتابع : « ليس من السهل أن أوضّح متى بدأت أشعر بالاستقرار في ألمانيا. إن سيناريو اللجوء يختلف عن السيناريو العادي ، عندما تقرّر أن تنتقل إلى مكان جديد وتفكّر بانك سوف تستقر فيه.  أظن أن الخيار ليس موجوداً في معادلتي، كما أن إجراءات الإقامة اللانهاية لها مضنية جداً . استغرقت إجراءات إقامتي ولجوئي وقتاً طويلاً ما يؤثّر بالطبع على حالتي الذهنية. مضى وقت طويل كي أستوعب كل ما يحصل لي. أستطيع القول أنه في الأشهر الثمانية الأخيرة بدأت أشعر بأنني استعدتُ نفسي بينما كنت أنفّذ عملي «سكّر إلى الأبد» . و أنا الآن أعمل كما يجب أن أعمل.»

أما المسألة بالنسبة لحلبوني فهي أكثر فلسفيّة. فهو يقول: « مازلتأشعر بأني لم أستقرّ في أي مكان ، لكن هذه مشكلة مع ذاتي. بما أنني نصف ألماني، فانا أعيش دائماً بين عالمين.  في سوريا كنت "الألماني" وفي ألمانيا أنا "السوري".  أنا حالياً هجين وهذا شيء جيّد إذ يمكنني التفكير بالاتجاهين. لا تعنيني بالحقيقة فكرة الهوية الوطنية. أنا أنتمي إلى كل الأمكنة.»

6

Manaf Halbouni, Nowhere Is Home, 2015

عن الفنانين:

مناف حلبوني

يعرّف حلبوني عمله الفني بأنه نهج تشاركي يشمل مجموعة كبيرة من الوسائط ، التي تتضمن غالباً دمج الأشياء و المواد العاديّة. في عمله التذكاري الشهير «نصب تذكاري»  وضع حلبوني ثلاث حافلات مقلوبةً أمام كنيسة فراوينكيرش  في درسدن. تعتبر الساحة أمام هذه الكنيسة رمزاً، ذلك أن الكنيسة كانت قد دمّرت أثناء القصف على درسدن في نهاية الحرب العالمية الثانية.  وهذا التجهيز الذي نفذّه حلبوني لا يُشير فقط إلى ويلات الحرب بل يبعث الأمل في البلدان التي مزّقتها الحروب والتي سوف تنهض يوما ما من الرماد مثلما فعلت مدينة  درسدن. 

مناف حلبوني من مواليد ١٩٨٤ من دمشق - سوريا، يعيش ويعمل في مدينة درسدن في ألمانيا.  درس النحت في كليّة الفنون الجميلة في دمشق و أكاديمية درسدن للفنون الجميلة، حيث اتّبع صف البروفيسور أيبرهارد بوسليه. حاز حلبوني على جائزةماريون أيرمر Marion Ermerعام ٢٠١٦ من قبل متحف دير بيلندي كونستي ليبزيج ، وشارك مؤخراً في عام ٢٠١٨ في برنامج الإقامة الفنية من قبل وزارة الشؤون الخارجية الألمانية . وكان حلبوني قد أقام العديد من العروض الفردية والجماعية. 

7

Fadi Al-Hamawi, Spoils II, 2017

فادي الحموي

إن مجمل أعمال الفنان فادي الحموي يظهر انشغاله بتفسير التجربة الإنسانية للحرب أكثر من أن يكون إنتاجاً فنّياً ذا رسالة سياسية. يسبر فنّ الحموي انعدام الإنسانية في الحرب السورية من خلال الكشف عن حالة نساء و رجال جُرّدوا من ركائز وجودهم .يُعطي فادي الحموي وجهاً للحرب ويُقدّم منظوراً إنسانياً جديداً عن الصراع.

فادي الحموي من مواليد دمشق عام ١٩٨٦ ، تخرّج من كليّة الفنون الجميلة بدمشق عام ٢٠١٠ باختصاص رسم اللوحات الزيتية والجدارية.  إلى جانب اختصاصه في الرسم فهو فنان في مجالي الفيديو والتجهيز. شارك في العديد من المعارض الجماعية وقام بإنتاج تجهيزات في معارض واستوديوهات في بيروت ودمشق.  كما عرض أعماله الفنية في الكثير من المعارض الجماعية في دمشق، بيروت، دبي، كندا، لندن، واشنطن، ألمانيا وكوبنهاغن.