نحن الأحياء :بثينة علي
نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, We Nous نحن,  Installation, 2006

تسبر أعمال الفنانة بثينة علي، المعقّدة  والتي تمثّل تحدياً فكرياً بجميع أشكالها النحتية أو المتعّدّدة الوسائط أو التجهيزية، مكاننا في العالم والتأثيرات البعيدة المدى للصراعات و الذاكرة و التاريخ والحركة. 

من مقاليع اللعب (النقّافات) كبيرة الحجم إلى أرجوحات مضاءة بنور خافت، اشتهرت بثينة علي بأعمالها التجهيزية التي تدعو المشاهد للدخول جسدياً إلى فضاء العمل محاطاً بمختلف العناصر المعروضة و ليصبح جزءاً من البيئة الحسّية. بثينة علي أستاذة في كلية الفنون الجميلة في دمشق (حيث عملت أستاذة مُحاضِرة لأكثر من عشرين عاماً)، بالإضافة إلى أن أْعمالها مقتناة ضمن مجموعات عالمية منها مجموعة المتحف (المتحف العربي للفن الحديث) في قطر و مؤسسة خالد شومان دارة الفنون في عمّان. وقد يتعجّب البعض عندما يعلم بأن المسار المهني لهذه الفنانة التجهيزية المجدّدة قد انطلق من عالم التصوير التقليدي . ويعود ذلك ، حسب الفنانة، بشكل وثيق إلى التركيز على الوسائل التقليدية في إنتاج العمل الفني في كلية الفنون الجميلة في دمشق آنذاك في فترة منتصف التسعينيات ، والتي انتقلت بعدها إلى باريس حيث نالت شهادتها في الرسم من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة. توضّح الفنانة : « تعرّفت خلال دراستي على عالم الفن الجديد في القرن العشرين واكتشفت أنه ليس ثمّة حدود في الفن. بعد عدة سنين ، بدأت أشعر بأنه من غير الممكمن نقل أفكاري عبر القماش وحده ،  أردتُ شيئاً مختلفاً ، لم أرغب بأن تقيدني المواد و الطرائق التقليدية ، أردتُ أن أكون قادرة على استخدام أية مادة أحتاج إليها من أجل تجسيد أفكاري والتعبير عنها.»  

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, Tent,  Installation, 2001

كان هذا التصور هو ما قاد الفنانة لإنشاء عملها التجهيزي الأول «خيمتي »  في عام ٢٠٠١، حيث عرضت الخيمة المذكورة مقسومة إلى قسمين : يشير الأول إلى واقع الحياة الصحراوية القاسي، و الثاني إلى الألوان الدافئة التي يزيّن بها البدو حياتهم. ولقد رافق هذا العمل التجهيزي تسجيل صوتي للآلات الموسيقية البدوية.  لقد كان لهذا الدمج بين العناصر المختلفة (الرسم و النحت و الصوت و الفراغ ) أثراً على ما تقول عنه الفنانة « أول خطوة لي في عالم فن التجهيز ، عالم حيث يمكن للمشاهدين  الدخول إلى العمل الفنّي جسدياً والتفاعل معه باستخدام كل حواسهم». كان ذاك  بمثابة نقطة تحوّل بالنسبة لبثينة علي التي أكّدت قائلة: « أدركتُ على الفور أن هذا هو ما كنت أريده لعملي : أن يكون اختباراً وتجربة، وأن أستطيع من خلاله تكوين أشكال مختلفة عن طريق استخدام أية مادة أو أي وسيط طالما يخدمان التجربة والعمل.» 

 

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, We Nous نحن,  Installation, 2006

 

  

 لربما يكون عمل «نحن» المنجز عام ٢٠٠٦ أحد أشهر الأعمال التجهيزية لبثينة علي، هو المؤلف من سلسلة من أرجوحات للأطفال معلّقة في غرفة ، وقد تمت إنارة كل واحدة منها بنقطة إضاءة ، مخطوط على كل أرجوحة كلمة مأخوذة من استطلاع كانت الفنانة قد أجرته مع أشخاص سائلةً إياهم حول ماذا يمثل معنى الحياة بالنسبة لهم. وكانت هذه الأضواء المسلطة تحدد على الأرض شكل كل أرجوحة.

تقول الفنانة: « بعد عودتي من فرنسا إلى سوريا في العام ٢٠٠١، كانت الإنتفاضة قد بدأت في غزة، وتبعتها حرب العراق بعد ذلك بسنتين.  ولقد تأثرت بشدة إثر المشاهد المقلقة التي رأيتها في الإعلام .» تجلّى أثر هذه المشاهد الصادمة عام ٢٠٠٣ في عمل « وعود» ، وقد تضمّن مواد محترقة وأسلاك شائكة. ثم بعد مرور عامين، شعرت بثينة علي بحاجة ملحة كما لم تكن من قبل إلى «الإنفصال عن الحروب الفوضوية والمخططات السياسية ومعاودة الاتصال بالذكريات الهادئة والطفولة البريئة » لكنها « فشلت» حسب تعبيرها. النتيجة  « نحن» كانت عبارة عن لعبة طفولية ما لبثت أن تحوّلت إلى لعبة للكبار. في هذا العمل : « نحن» تعكس حركة الأرجوحة إلى الأعلى وإلى الأسفل، الطريقة التي تتأرجح فيها حياتنا ومشاعرنا بين طرفين متناقضين.  أما الحبال التي تدلّت منها الأرجوحات فتعكس «خيوط حياتنا ، فقد أردتُ أن أعبّر عن رغبة البشر بالوصول إلى القمة، في كل جوانب الحياة» تشرح الفنانة ، « وهذا أمر يعتمد على آمالنا، رغباتنا، أحلامنا، معتقداتنا و"الدفعات" الداخلية أو الخارجية التي نتلقّاها.  فكلّما وصلنا إلى  أعلى ، كلّما كان السقوط أعمق»  

في السنوات الأخيرة، قاد النزاع المستمر في سوريا الفنانة بثينة علي إلى التوقف عن الإنتاج الفني ، ولكنها مازالت تتابع التعليم. توضّح الفنانة قائلة : « توقفتُ عن العمل الفني لعدّة أسباب، وأكثرها إلحاحاً هي حقيقة وجودي في خضم هذا النزاع ، فأنا ببساطة لا يمكنني رؤية أي شيء آخر. الوجود داخل الحرب لا يشبه أبداً مشاهدتها، إنه أمر صعب للغاية.  لديّ أفكار كثيرة ولكن التركيز حالياُ هو فقط على بقائي مع أسرتي وطلاّبي على قيد الحياة» .  وكأستاذة، تركّز بثينة علي على أسُس الرسم والتلوين قبل السماح لطلابها بإجراء التجارب بالأدوات والأفكار. فتقول: « أحب مساعدة طلاّبي على تحسين وتطوير عملهم، وفي النهاية فإن بقائي على تواصل مع الجيل الجديد من الفنانين يساعدني على الاطّلاع  على العديد من المجالات المختلفة»

وهنا تحّدثنا بثينة علي عن أبرز أعمالها :

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, Y...Why,  Installation, 2010

 

… Yلماذا ( ٢٠١٠ )      

عندما انتقلت إلى كندا في العام ٢٠٠٨، وبينما كنت أعمل على عمل التجهيز «أمثلة» ، المؤلف من ثلاثين صور مركّبة، كنتُ دوماً أسأل نفسي: لماذا أنا هنا؟ لماذا تركتُ بلدي؟ لماذا يختار الناس الهجرة؟ كانت الإجابات على هذه الأسئلة رسومات تخطيطية لمقاليع ( نقافات ) ، تلك التي تقذفنا إلى أماكن أخرى ، إنها لُعبية ولكنها خطرة. عندما اتّصل بي سام بردويل وتيل فلراث ،القيّمان على آرت ري أورينتد ،في السنة التالية للمشاركتي في معرض تولد  أن تولد  ري تولد في  المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، قدّمت الفكرة التي أصبحت لاحقاً واقعاً ونتج عنها هذا العمل التجهيزي من النقّافات.  لطالما شكّلت الهجرة والرحيل عن الوطن تساؤلات كبيرة بالنسبة لي والتي بدورها قادتني إلى سؤال أكبر: ما هو معنى "الوطن"؟

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, Don't Listen! She's Only a Woman!, Installation, 2010

 

لا تصغِ! إنها مجرّد إمرأة! ( ٢٠١٠ ) 

في هذا العمل ، كان هناك  خزانتان حديديتان كبيرتان موضوعتان في حمّام. الخزانتان من نفس الحجم (عرض ١٢٠ سم ، عمق ٤٠ سم وارتفاع ٢١٠ سم) وكل منهما  بارتفاع خمس طبقات وعرض ثلاث تقسيمات.  توجد بداخل كل خزانة حقائب تحتوي بدورهاعلى أغراض شخصية لعدّة نساء، مثل تلك التي قد نجدها في أي خزانة في القاعات الرياضية المخصصة للنساء.  من دون شك ، إن محتويات حقيبة امرأة (أو في هذه الحالة، خزانتها ) يمكن أن تخبر الكثير عنها.

تضمّن التجهيز أيضاً عنصرا صوتياً، إذ احتوت كل خزانة على جهاز تشغيل صوتي ( MP3 ) سُجّل عليه صوت إمرأة تتحدّث بشكل عام عن مشاكلها اليومية وعن حياتها فيما يتعلّق بالرجال عامة في وسطها الإجتماعي. ولقد تم اختيار نساء من بلدان مختلفة وخلفيات متنوعة،  في المجموع كان هنالك ثلاثون حقيبة وثلاثون جهاز تشغيل صوتي لثلاثين إمرأة. وفي كل مرة ، عندما يكون باب الخزانة مغلقاَ يسمع المشاهد الصوت ويرى الضوء ، وعندما يقوم بفتحه فإن الصوت والضوء يختفيان.

 
نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, No Comment, Installation, 2009

 

بدون تعليق ( ٢٠٠٩ ) 

كان هذا العمل التجهيزي مؤلفاً من صندوق شفاف من الزجاج البلاستيكي وضعت بداخله ثلاثة كتب مقدّسة : القرآن (بالعربية)، الإنجيل (بالأرامية) والتناخ (بالعبرية). كان بإمكان المشاهد أيضاً أن يسمع أغانٍ وترانيم دينية من الأديان الثلاثة، مشغْلة جميعها في الوقت ذاته، ويعلو أحدها أحياناً ليطغي على الإثنين الآخرين.

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, I'm Ashamed, Installation, 2009

 

أنا خَجِل ( ٢٠٠٩

كانت عملية تركيب هذا العمل دقيقة ومعقّدة في الوقت نفسه.  وقد تم تجهيزه داخل غرفة في منطقة البستكيه في مدينة دبي القديمة ،ضمن مساحة مستطيلة الشكل بقياس ٣٥٥x ٨٤٣ x ٣٢٣ سم . تضمّن هذا التجهيز سبعمئة صورة لأطفال من غزة ،تم جمعها عبر الانترنت خلال الحرب ، ما شكّل تحدياً بذاته . طُبعت الصور على أوراق شفافة و تم تعليقها وترتيبها في صفوف متدلية من السقف،  حيث كانت كل صورة معلّقة إلى أربعة خيوط شفافة و وُضعت الأضواء خلف الصور لتخترقها و تعرض محتواها على الأرض . كان باستطاعة المشاهدين إذاً السير على أجزاء من العمل وهم يستمعون إلى صوت رياح عاتية.

نحن الأحياء :بثينة علي - Features - Atassi Foundation

Buthayna Ali, Ayn, Installation, 2008

عيــن ( ٢٠٠٨

في تجهيز الفيديو هذا ،  جسّدت الشاشات المستديرة شكل الدراويش الصوفيين الذين يدورون في تقليد رمزي لطريقة دوران الكواكب حول الشمس في منظومتنا الشمسية. تم تصوير الراقصين من الأعلى لكي يحظى المشاهد بنظرة «عين الطائر ». إن الرقص الصوفي هو عبارة عن فعل تأملّ فيزيائي جسدي سعياً للإتصال بالله في السموات عبر الإنفصال كلّياُ عن العالم المادي المحيط بنا. إلى جانب الموسيقى التأملية ( عنوانها عين ، والذي سمي هذا التجهيز به) كان من الممكن للمشاهد سماع أصوات متعددة وضجيج و صوت الدراويش وهم يتكلّمون عن أنفسهم ويصفون كفاحهم اليومي ، و كان من شأن تلك الأصوات أن تخلق «خللاً» سمعياً. كان هنالك أيضاً « خللٌ» بصري : مجموعة من أفلام الفيديو التي تعرض شوارع عامة في مدن مختلفة تعج بالناس وبحركة المرور. كان هذا يرمز إلى التحدّيات التي يواجهها الإنسان عندما يحاول أن يلتقط السكينة. على الأرض، وضعت شاشة لتشير إلى نهاية رقصة الدرويش و عودتهم إلى الدنيا.