مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية
مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 1. Leila Nseir, Untitled, Mixed Media on Carton, 37 x 27 cm, Undated

العينان تحتلّان معظم الفراغ في أحد أعمال ليلى نصير (من دون عنوان أو تاريخ)، وهو عمل صغير مشغول بوسائط مختلطة على كرتون، من ضمن مجموعة مؤسسة أتاسي (الشكل 1). العينان يلفّهما سواد، ولهما حجم يفوق حجم العين المعتاد. وهما تنظران إلى الأمام مع ارتفاع طفيف فوق نظر المشاهد، بقزحيتين زرقاوين باهتتين تتوسطان البياض العريض حولهما. أسفلهما خدّان يتداخل فيهما الوردي والأصفر والبنفسجي دون انتظام، حيث فُرِكت المادة وخُدشت ثم وُضعت على شكل آثار متكسّرة. أما أعلاهما فحاجبان يعلوهما صفّ من الأقراص الصفراء. لا يظهر في الخلفية الزرقاء على جانبي الوجه أي عمق للرأس، فيما تلتقي بالوجه في خط محيطي بارز، وتشدّ العينان نظر المشاهد إلى سطح اللوحة.[1] 

مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 2. Ahlam al-Turk, “Leila Nseir: My Face is a Mirror of Your Faces” interview, 8 April 2008, publication unidentified

الأسطح الخشنة ذات الألوان الزاهية في أعمال نصير تستدعي المدرسة التعبيرية، حيث الوجه المشغول الذي يخزّن مشاعره الحميمة. لكن نظرة الوجه لا تستدعي هذه القراءة فوراً، فهي متجهة نحو الخارج، كما ورد في مقابلة مع نصير من عام 2008 بعنوان "وجهي مرآة وجوهكم" (الشكل 2).[2] ينفتح الصوت المفرد في كلمة "وجهي" على ضمير الجمع في "وجوهكم": من ضمير الملكية الفردي للفنانة إلى الجمع المخاطَب. الوجه لها، لكن عملها لا يخصّها وحدها. في عمل آخر "بلا عنوان" في المجموعة نفسها، بالوسائط والأبعاد نفسها، نرى المحور الأمامي والعينين المكبَّرتَين نفسهما، ما يعني أن نصير تركّب نمطاً للوجه وليس تثبيتاً لصورة معيّنة.[3]هذا النمط جماعي ليس لأنه يخاطب المشاهدين، كما في الصور الشخصية التقليدية الناظرة للأمام، بل لأنه يتبادل النظرة معهم دون أن يستقر على هوية محددة للرسام أو أي شخص جالس أمامه. فالوجه الذي قد ينتمي لأي أحد يصبح متاحاً لكل أحد.

هذا الوجه الناظر للأمام تشكّلت ملامحه في الخارج. فقد استمدّ هيكله الأساسي من سنوات تدريبها في القاهرة، ومن فهمها الخاص للنقوش المصرية القديمة. وبعد تمرُّسها دخلت نصير في حوار مع تاريخ إقليمي أعمق للصور الناظرة للأمام والحاملة للذاكرة، بما في ذلك صور الجنائز في مصر وسوريا. الناتج ليس اقتباساً أثرياً ولا رمزاً قومياً مستعاداً، بل شكل حديث حامل للذاكرة - ومتصل بممارسات النذور بالمعنى المحدود الموضح أدناه - مستخلص من دروس الفن في مصر وموجَّه للنساء العاملات ولضحايا العنف اللواتي يشكّلن محور أعمال نصير. السؤال إذن كيف استطاعت نصير بناء شكل يستطيع حمل تلك الرسالة؟ الإجابة الأولى نجدها في القاهرة.

القاهرة وتركيب الوجه

التحقت نصير بكلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1959 بمنحة دراسية من الجمهورية العربية المتحدة. درّسها حسين بيكار هناك وأصبح مرشداً هاماً لها. كانت نصير في البداية ترغب في دراسة النحت، إلا أن بيكار وآخرين وجهوها نحو الرسم الزيتي.[4]ومع ذلك فهي احتفظت بتصوُّر نحتي في أشكالها. كما كان للنحت المصري الحديث أهمية كبيرة بالنسبة لها، وخاصة أعمال محمود مختار، الذي أظهرت أعماله إمكانية استدخال المبادئ الشكلية القديمة في الفن الحديث دون استساخ أو محاكاة (باستيش) تاريخية.[5]

ولعل أدق الأدلة على تأثير هذا التكوين هو كلام نصير نفسها. ففي مقابلة مع صالح دياب عام 1996، وصفت الفن المصري القديم بأنه مصدر فهمها للخط. وقد أبدت إعجابها بـ"الحداثة والرقة والصلابة مجتمعة" التي فيه، فضلاً عن التبسيط الاستثنائي للشكل. كما ربطت جمال الكتلة بالشِّعر، وصرّحت بوضوح أن احتكاكها بالحضارة المصرية ترك بصمات واضحة على فنها. أصبحت الخطوط وسيلتها الأساسية للتعبير، رغم إصرارها على حاجته لحقل ملوَّن ليكتمل العمل.[6] تقدم هذه الملاحظات مبادئ شكلية بدلاً من مجموعة من العناصر (الموتيڤات) . إذ لم يكن الهدف تقليد وضعية الوجه ولا إعادة إنتاج تقاليد الفن الفرعوني، بل فهم دور تصغير الجسم في منحه ثقلاً، ودور الخطوط المحيطية في تنظيم ملامح الشكل الإنساني دون نقل كل التضاريس الجسمانية. في رؤوس نصير الناظرة للأمام، لا تصف الخطوط المحيطية حوافّ خارجية، بل تقسّم سطح الوجه وتحافظ على ممراته الملونة ضمن بنية متراصّة. حتى في حال تآكل السطح، يحتفظ الرأس بثباته ككتلة مبنيّة.

إذن ليست القاهرة مقدمة عابرة في سيرة فنية سورية الجوهر، بل هي مصدر اللغة الشكلية التي سمحت للأعمال اللاحقة بالظهور. فالفن المصري القديم أثّر في تلك الأعمال وفق شهادة نصير نفسها. وينتمي مختار إلى هذا الحقل المصري المشهود، مع أن الأدلة تشير إلى أن مسيرته بشكل عام هي التي أثارت اهتمامها لا عمل محدّد له. أما الفيوم وتدمر والأيقونة السورية فتقع في حيّز آخر من الأدلّة. فلهذه الآثار أن تخبرنا عن السياق التاريخي للوجه، لكنها ليست مصادر ذكرتها نصير بلسانها. القاهرة هي التي منحت وجوه نصير معمارها الفني، والعين المكبَّرة هي ما يحدد وظيفة هذا المعمار.[7]

العين والصورة الحاملة للذاكرة

في "بلا عنوان"، العينان مقروءتان بشكل غير اعتيادي وسط ألوان الوجه المتشقّقة. الخدان مشغولان دون تناسق، والفم مقسوم بخط عمودي نازل من الأنف، لكن بين العينين تناسق متين. السواد المحيط بهما يمنحهما ثباتاً بصرياً بالمقارنة مع باقي ملامح الوجه، وهناك صلة لونية بين القزحية الزرقاء والخلفية. يبدو الرأس مهترئاً بموادّه، ولكن متيقظاً بنظرته، على سطحه آثار أذى لا تنال من قدرته على التحديق.

يقتصر هذا الافتراض على جانب محدد من أعمال نصير. يحفظ الأرشيف أيضاً مطبوعات أحادية (مونوتايب) ورسومات لرؤوس تبدو ملامحها محصورة في أسطح ليفية داكنة. هذه الوجوه غالباً شبيهة بالأقنعة ومضغوطة نحو الداخل. أما العين الثابتة المكبَّرة فأقرب إلى الرؤوس ذات الجباه الملوّنة. الانتباه لهذا الاختلاف يمنع استخدام أسلوب شكلاني يتيم لتفسير مجمل أعمال نصير عبر الوسائط ولغات التصوير. بحسب دراسة نغم حذيفة للبورتريه السوري، للعين الواسعة نسب ملحوظ ضمن السياق السوري. فوجوه نصير، بحسب حذيفة، متّجهة عموماً نحو المشاهد وتميّزها العيون الواسعة. تقرأ حذيفة ملامح هذه الوجوه بوصفها نابعة من الذات الشخصية لا الجماعية، لكن عبارة نصير "وجهي مرآة وجوهكم" تشوِّش تلك القراءة، فهي تقترح أن الوجه الشخصي قد يكون وسيطاً لتعرُّف الجسد الأوسع على نفسه.[8] يضع التاريخ الأوسع الذي تقدّمه حذيفة البورتريه السوري ضمن مشاغل ممتدة في المنطقة مرتبطة بالغياب والتخليد. فصور المومياوات في الفيوم توجّه أنظارها نحو الأحياء فيما ترافق الموتى. أما تماثيل الجنائز في تدمر فتضع الممثَّل على عتبة قبره، وغالباً ما تحتفظ باسمه إلى جانب وجهه. في الحالتين، النظرة الأمامية تجعل البورتريه حاملاً للذاكرة: الجسد غائب لكن الصورة متاحة للقاء. الوجه يبقى بعد رحيل الشخص.[9]

رؤوس نصير قابلة للتموضع ضمن هذا التاريخ، لكن دون أن تكون مستمدة منه. فثمة مهمة واحدة تجمعها. الوجه الناظر للأمام يحافظ على حضور الممثَّل عبر استبقاء فعل مخاطبة يتجاوز المدة التي كانت متاحة للجسد. ولكن في أعمال نصير، البورتريه منفصل عن أي هوية تذكارية لشخص ميّت صاحب اسم. فالوجه في العادة بلا عنوان، وغالباً بلا تاريخ. في ذلك حفظ للحضور ورفض لتحديد هوية صاحب الحضور المحفوظ. هذا الغموض هو ما يسمح للوجه الفردي أن يصبح وجهاً جمعياً.

للأيقونة السورية منطق مشابه. فحذيفة تشير إلى العيون الواسعة والملامح المضغوطة والتوجُّه للأمام الذي يميز تقليد الأيقونات السورية، لكنها لا تقيم الحجّة على أن هذا التقليد هو المصدر الذي تستمدّ نصير أعمالها منه. لعل همزة الوصل الصريحة هي إلياس الزيات، الذي اشتبكت أبحاثه ولوحاته بشكل مباشر مع الأيقونات السورية. لكن بالإمكان التوسُّع في التفسير وعقد حوار بين رأس نصير والأيقونة. فالعلاقة بينهما هي في الاتجاه للأمام، لكن الحضور عند نصير لا يتحقق عبر وهم وجود جسد وحيّز يشغله، بل عبر الاتجاه غير المنقطع نحو المشاهد.[10] العين المكبَّرة تُضفي تشابهاً إضافياً مع ممارسات النذور في سوريا وبلاد الرافدين قديماً. وهنا أيضاً، لا ينبغي اعتبار المقارنة بين ممارستين تأثيراً موثقاً لإحداهما على الأخرى. فالتاريخ الإقليمي الذي ترويه حذيفة يبدأ بأصنام العين التي عُثر عليها في تل براك، حيث صُغّرت الأجساد وحُمّلت العيون تقريباً كامل قوّة الشكل. تصف حذيفة العين المفتوحة كعلامة على استمرار الحياة والحضور. ويمكن قراءة رأس نصير بالضد من حالة النذر، فعينه كبيرة جداً وليس بمقدورها أن تلعب دور الوصف الجسدي المحايد. هي مفتوحة على الدوام، ومستيقظة على الدوام. المقارنة إذن لا تعني استعارة دور النذر، بل وجود شحنة بصرية مماثلة: العين المفتوحة التي هي علامة على الحضور والمحتفظ بها بعد زوال الوظيفة التعبّدية للتمثال.[11]

الأقراص المرصوفة على الجبهة تكثّف انفصال الرأس عن البورتريهات المألوفة. هذه الأقراص شبيهة ربما بالزينة أو التاج، لكن العمل لا يقدم أي أساس لمعرفة صفتها التاريخية. وظيفتها تصويرية بحتة، فهي ترسم الحدّ العلوي للوجه وتمنح الرأس هيبة احتفالية دون ربطها بشخصية أو حقبة قابلة للكشف. إلى جانب الخطوط المحيطية والتحديق الأمامي، هذه الأقراص تجعل الشكل الإنساني أشبه  بنمط وجه مرسوم لكي يدوم لا شخصية جالسة أمام رسّام ينقل ملامحها.

يُشير عنوان "وجهي مرآة وجوهكم" إلى نتيجة هذا التركيب. فالمرآة تحدّد اتجاه اللقاء، والوجه يستقبل النظرات ويعكسها. الخدّ المتآكل والخطوط السوداء الحادة تستبقي هذا التبادل مادياً لا مفهومياً: فالسطح يظهر تكوينه حتى وهو يحتضن النظرة. ما يبدأ بوجه الفنان يصبح متعدداً، لأن سيرة ذاتية واحدة لن تستنفد الموقع الذي تشغله. عندما يُفسح هذا الرأس المنعزل المجال لتكوينات نصير المكتظة، يصبح الوجه الذي يعكس نظرة المشاهد الواحد جسداً بين أجساد كثيرة.

الجسد المسجَّل والمرأة الجمعية

في الخصوبة (1994)، تقسّم نصير المجال التصويري إلى سجلّات (الشكل 3).[12] أسفل الشكل المستلقي الذي يشغل المنطقة العلوية، ينضغط صف من الشخصيات الواقفة في شريط جانبي ضحل. تتداخل الأجساد دون أن تتراجع في حيّز منظوري متصل؛ فيما تنتج الخطوط المتكررة تراكماً لا عمقاً. يمتد التكوين عبر الورقة ليصبح الجسد الفردي مقروءاً فقط من خلال موقعه داخل المجموعة.

تربط نور عسلية، بالاستناد إلى ذكريات الناقد سعد القاسم، بين أعمال تشكيلات نصير المسجّلة والأختام الأسطوانية والنقوش الجدارية المرتبطة ببلاد الرافدين وماري وأوغاريت. هذه النسبة بالغة الأهمية. فهذا الأسلوب السوري والعراقي القديم لم يحظَ بالتوثيق الذي حظي الفن المصري في شهادة الفنانة. بل هو تفسير القاسم لابتعادها عن المنظور التقليدي وترتيبها للشخصيات في صفوف. هذه المقارنة مقنعة لأنها تصف عملية تركيبيّة واضحة في الأعمال، ولكن لا بد أن تظل مرتبطة بالناقد الذي اقترحها.[13]

يؤدي التشكيل المسجَّل مهمة مغايرة لمهمة العين. فالعين الناظرة للأمام تربط الوجه بمن يشاهده، ولأن هذا الوجه ليس شخصاً بعينه يصبح الربط قابل للتكرار بلا نهاية دون أن يصبح شخصياً. أما الإفريز فيضع الأجساد في علاقة مع بعضها البعض. وفي الأعمال التي تتناول الحرب والعمل الأمومي، تبني نصير المعنى مراراً وتكراراً من خلال هذا التراكم. في عمل "الشهيد (الأمة)" المؤرّخ بعام 1978 نرى الشغل السياسي بوضوح في العنوان. فالجسد الممثَّل هو في آن واحد ضحية خاصة ورمز للجماعة الوطنية. ومع ذلك لا يختفي الجسد في مجاز صافٍ بل يبقى عرضة للعنف.[14]

ينطبق التعقيد نفسه على الشخصيات الأمومية. تستشهد عسلية بمقابلة سلوى الزين عام 1985 لتلحظ أن نصير احتفظت بالصورة التقليدية للعذراء أو الأم بوصفها تمثيلاً للأمة. لم تكتفِ نصير برفض النمط الأنثوي الموروث، بل غيّرت الظروف التي يحمَّل فيها هذا النمط دلالة جمعية. فنساء نصير ينحنين تحت وطأة المخاض، أو يتحملن الحمل، أو يظهرن في مشاهد عزاء. يرمز جسد المرأة إلى الأمة، لكنه لا يتحول إلى رمز تجريدي للاستمرار، بل يبقى واضحاً تعرضه للإرهاق والأذى.[15] هذه هي القوة النسوية الكامنة في الشخصية الجمعية التي ترسمها نصير. لا تكتسب المرأة أهمية سياسية بتخليها عن تجسّدها، بل يصبح الثمن الجسدي للتاريخ الوطني والاجتماعي جوهر الصورة. هنا ينقلب العرف القومي الذي يحوّل الجسد الأنثوي إلى رمز للاستمرار الترابي على نفسه: الجسد المجازي مجبر على تسجيل ما يخفيه الرمز في العادة.[16] قناعة نصير بأن الفنان ينتمي إلى عصر وطبقة وأمة تساعدنا على تفسير استحالة اختزال هذه الشخصيات إلى مجرد رمزيات خاصة. فأجسادهنّ هي المواقع التي تجعل التاريخ الاجتماعي والوطني مقروءاً بشكل مادي.[17]

مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 4a. Arab Woman and Art Creativity [al-Mar’a al-ʿArabiyya wa-I-Ibdā ʿal-Fannī], exhibition programme/invitation, Damascus, 1975

مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 4b. Exhibition invitation featuring Leila Nseir, Asma Fayoumi, Greta Alwani and Shalabiya Ibrahim, Damascus, 1984

يمنع الأرشيف أيضاً تقديم هذا الموقف بوصفه إنجازاً لأنثى معزولة ذات صوت رائد. فهو يسجل مشاركة نصير في المرأة العربية والإبداع الفني، المنظَّم في دمشق عام 1975 (الشكل 4أ) وفي 1984 مع أسماء فيومي وغريتا علواني وشلبية إبراهيم (الشكل 4ب). لا تثبت هذه الفعاليات بالضرورة تبنّي الفنانات المشاركات لبرنامج نسوي مشترك، بل تؤكد نقطة أكثر وجاهة: كانت نصير تعمل ضمن مجموعة نسائية محددة، تعرض أعمالها معاً، وتساهم في إثراء المشهد الفني السوري. وهي نشرت بالفعل، بالتزامن مع معرض أُقيم في عمّان عام 1996، دراسة حول مساهمات النساء في الفن التشكيلي السوري.[18]

إذن، يمثل الوجه والإفريز مستويين لطرح واحد. فالوجه الفردي يصبح جمعياً من خلال التفاعل مع نظرة المشاهد. كما أن التشكيل المسجَّل يجعل البعد الجمعي مرئياً من خلال تجاور الأجساد. وقد كان لهذا التناوب بين الصوت الفردي والمخاطبة الجماعية دور في توجيه كتابات نصير.

مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 5. Suhayl Khalil, “Leila Nseir Reads Her Artistic Experience: An Artist Who Paints in Rhymes and a Poet Who Writes in Colours”, interview, publication and date unidentified

أدرجت إحدى الصحف السورية أعمال نصير الأدبية والتشكيلية في صفحتها الرئيسية، حيث وصفتها بأنها "فنانة ترسم بالقوافي وشاعرة تكتب بالألوان" (الشكل 5).[19]يمكن الاستخفاف باللغة بوصفها مجرد زخرفة صحفية، لولا أنها تجد سندها في ممارسات نصير نفسها. فقصائدها منشورة إلى جانب نسخ أعمالها الفنية، وهو ما نراه في أرشيفها "دفتر الشعر والنحت" الذي أنجزته بين 1969 و1972. فصفحات الأرشيف تضمّ قصائد ونصوصاً نثرية إلى جانب تصاميم لمنحوتات لا تمثّل رسومات مرافقة بل بحثاً موازياً في الكتلة والسطح.[20] عندما سُئلت نصير عما يمكن أن تحققه القصيدة ولا تستطيع أن تحققه اللوحة، أجابت بأن "القصيدة عبارة عن مجموعة واسعة من اللوحات". يقلب هذا القول العلاقة المتوقعة بين الفنون رأساً على عقب. فالشعر لا يشرح الصورة، بل يضاعف مساحات التصوير. وبالمثل، تحافظ التخطيطات النحتية في دفترها على الطموح الذي اكتسب وجهته خلال مرحلة دراستها في القاهرة. وبالتالي فإن الخطوط المحيطية السوداء التي تلفّ شخصياتها المرسومة والمطبوعة أكثر من مجرد وصف بصري، فهي بمثابة قطع: تضغط على السطح وتركّب الجسد من خلال التقسيم.[21]

"وجهي مرآة وجوهكم" هي النقطة التي تتطابق فيها الكلمة والصورة تماماً. تبدأ الجملة بصيغة المتكلم ثم تتحول إلى صيغة الجماعة. ويؤدي الرأس الناظر للأمام الحركة نفسها بصرياً. لا يكمّل الوسيط الوسيط الآخر بل يحوّلان معاً العبارة الفردية إلى مخاطبة جماعية. ولأن الكلام والرسم ينتميان إلى ممارسة واحدة، فإن الظروف التي أدت إلى نجاة الدليل ليست ثانوية في تاريخ نصير، بل هي التي تحدد ما يمكننا أن نعرفه عنه الآن.

الأرشيف كحجّة

ليس أرشيف نصير مجرد خزانة تساعدنا على إعادة فهم مسيرتها المهنية، بل إن تاريخ هذا الأرشيف يقدّم دليلاً على القلق في تلك المسيرة. فمنذ عام 2016، بدأت نصير والفنان أحمد قاشا فرز الوثائق التي كانت تحتفظ بها. وفي 2019، بينما كانت في المستشفى، جُمعت محتويات مرسمها في دمشق في أكياس قمامة بعد استعادة مالك العقار للمبنى. تدخّل قاشا وصبا العلي لإنقاذ المواد، قبل أن يجمع قاشا المقابلات الإذاعية، ويسجّل أكثر من مئة ساعة مع نصير، ويمسح أعمالاً محفوظة في مقتنيات فنية سورية. ثم في النهاية سلّم نسخة رقمية لمؤسسة أتاسي.[22]

مرآة وجوهكم: ليلى نصير والحداثة العابرة للحدود للمرأة العربية - Features - Atassi Foundation

Fig. 6. Leila Nseir, Creatures, exhibition invitation, Mark Hachem Gallery, Beirut, 20 March - 2 April 2015

تلقّى أرشيف الفن السوري الحديث ما يقارب 700 وثيقة، نُشر منها 478 في الإصدار العام الأولي. وتشمل هذه الوثائق مواد صحفية، وصوراً فوتوغرافية، وسجلّات معارض، وكتابات بقلم نصير. ما يزال الأرشيف غير مكتمل، إذ لا تزال بعض الرسائل ووثائق المعارض في سوريا، بالإضافة إلى تسجيلات غير معالجة بعد. وكان من المقرّر نشر الأرشيف المكتمل خلال حياة نصير، لكنها توفيت قبل إطلاقه.[23]هذا التاريخ يعقّد اللغة المألوفة للفنانة المهمشة. نصير لم تكن غائبة عن المشهد الثقافي العام، فقد أقامت معارض كثيرة، ونُوقشت أعمالها باستفاضة في صحافة بلادها. لكن ما ظلّ في دائرة الخطر الإطار الوثائقي القادر على ربط ظهوراتها المتكرّرة ببعضها. فالأرشيف يكشف الفرق بين حجم الحضور والثبات التاريخي. قد تحظى مسيرة فنية بالاعتراف العام، لكن سردها يبقى صعباً في حال كانت سجلاتها متناثرة وغير مفهرسة ومتوفّرة فقط نتيجة جهود حفظ فردية. كما أن إعادة تجميع السجلّات تغيّر جغرافيا النزعة الحداثية التي حملتها نصير. كانت القاهرة موقعاً لتكوين فني وسم عقودها اللاحقة. ووفّرت دمشق المجال المؤسسي لعرض أعمالها ومشاركاتها ضمن وسط الفنانات النساء. كما دخلت بيروت ممارستها الفنية كموقع للشهادة والتداول، فقد سافرت إليها خلال الحرب الأهلية لمشاهدة عنفها ورسمه، فيما أقام غاليري مارك هاشم معرضها Creatures في العاصمة اللبنانية في مارس/آذار 2015 (الشكل 6).[24] هذا السرد العابر للحدود لا يضعف الخصوصية التاريخية لمسيرتها السورية، بل يفسر تكوين هذه الخصوصية من خلال الحركة والتبادل.[25] فكثيراً ما كانت نصير تحجب العناوين والتواريخ لاعتقادها بأن الاسم قد يقيّد القراءات المحتملة للأعمال. الصعوبة التي يسبّبها هذا لمؤرّخي الفن مقصودة وليست مجرد أرشيفية تقنية. ومع ذلك، فإن غياب تواريخ الأعمال لا يحرّر العمل من تاريخه، بل يحوّل الانتباه التاريخي من التتابع الخطي للأساليب إلى اللقاءات والمؤسسات التي تشكّلت الصورة من خلالها.[26]

توفيت نصير عام 2023. تبقى الوجوه غير المؤرّخة ناظرة ومتيقّظة، وموجّهة إلى مشاهدين لم تكن تعرفهم. فهي تمنح لموضوعاتها فعل البقاء الذي ركّبته لها: ليس حفظ الصورة السليمة للملامح كما هي، بل الحضور المستمر الذي يتجلّى من خلال اللقاء. الأرشيف المستعاد يمنح ذلك الحضور المستمر تاريخاً. ومن خلاله تواصل العين التحديق.

الحاشية:

[1]  نغم حذيفة، "الوجه والجسد في الفن السوري"، في سوريا: نحو الضوء - مختارات من صور شخصية وتماثيل من الفن السوري، من مجموعة مؤسسة الأتاسي (مؤسسة الأتاسي، 2017)، مدخل كتالوغ ليلى نصير، بلا عنوان، وسائط مختلطة على كرتون، 37 × 27 سم.

[2]  أحلام الترك، "ليلى نصير: وجهي مرآة وجوهكم"، مقابلة، مكان النشر غير محدد، 8 أبريل/نيسان 2008، أرشيف الفن السوري الحديث، أرشيف ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي.

[3]  مؤسسة الأتاسي، "ليلى نصير"، صفحة الفنان، الأعمال المعروضة 1/2 و 2/2، وكلاهما بلا عنوان، وسائط مختلطة على كرتون، 37 × 27 سم.

[4]  مؤسسة الأتاسي، "مجموعة أرشيف ليلى نصير"، أرشيف الفن الحديث في سوريا، تسلسل السيرة الذاتية، مدخل عام 1959.

[5]  نور عسلية، "حول ليلى نصير: ما وراء الأعراف الاجتماعية والفنية"، ترجمة روبن موغر (دبي: معهد فيكر، يونيو/حزيران 2024)، 4-5.

[6]  صالح دياب، "الفنانة التشكيلية السورية ليلى نصير: لا تناقض بين الحرية والعقلانية في الفن"، مقابلة، السفير، 8 أكتوبر/تشرين الأول 1996، العدد 7512.

[7]  انظر أيضاً آنيكا لينسن، "نصير، ليلى (1941-)"، موسوعة روتليدج للحداثة، (تايلور & فرانسس، 2016)، المعرّف الرقمي: 10.4324/9781135000356-REM495-1. لينسن تقرأ نصير ضمن الحركة الفنية الوطنية السورية وتكوين جيلها المشتبك في القضايا الاجتماعية.

[8]  حذيفة، "الوجه والجسد في الفن السوري"، الكتالوغ الرقمي، ص30-31، وفيه ترى حذيفة أن معظم وجوه نصير تحدّق في مشاهديها بعيون واسعة.

[9]  المرجع نفسه، الكتالوغ الرقمي، ص 2-5، حول بورتريهات الفيوم وتدمر كأشكال للتخليد وحوامل للذاكرة.

[10] المرجع نفسه، الكتالوغ الرقمي، ص 10 و28-30، وهو يتناول النقاش الصريح حول الأيقونات السورية والتقاليد الإقليمية الأوسع، ويذكر من الفنانين المعاصرين إلياس الزيات. أما المقارنة مع نصير فهي إضافة مني.

[11] المرجع نفسه، ص 5 من الكتالوغ الرقمي، حول أصنام العين في تل براك. يظهر تشبيه النذور هنا كتشابه شكلي لا كدليل على تأثير مباشر.

[12]  ليلى نصير، الخصوبة، 1994، طباعة مونوتيب باستيل على ورق، تقدمة غاليري أيام؛ مدرجة في إستوريا: نظرة استعادية لإعادة تخيُّل النسوية الشرق أوسطية مع ليلى نصير، غاليري أيام، دبي، 18 سبتمبر/أيلول - 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

[13] عسلية، "حول ليلى نصير"، 9، نقلاً عن تعليقات سعد القاسم في المقابلة التلفزيونية غير المنشورة الحياة والذكريات، أرشيف الفن السوري الحديث، أرشيف ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي.

[14] عسلية، "حول ليلى نصير"، 1، 6؛ ليلى نصير، الشهيد (الأمة)، 1978، مؤسسة بارجيل للفنون.

[15]  سلوى الزين، مقابلة مع ليلى نصير، البعث، 1985، أرشيف الفن السوري الحديث، مجموعة ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي؛ نوقشت في عسلية، "حول ليلى نصير"، 7 والحاشية 14.

[16] انظر بيث بارون، "الأيقونات القومية: مصر كامرأة"، في إعادة التفكير في القومية في الشرق الأوسط العربي، تحرير جيمس جانكوفسكي وإسرائيل جيرشوني (نيويورك: منشورات جامعة كولومبيا، 1997)، 105-24؛ ودينيز كانديوتي، "الهوية وسخطها: المرأة والأمة"، مجلة الألفية: مجلة الدراسات الدولية 20، العدد 3 (1991): 429-43.

[17]  مؤسسة الأتاسي، "أرشيف ليلى نصير"، تقرير فني لأرشيف الفن السوري الحديث، الذي يسجل تصريح نصير عام 1980 بأن الفنانة تنتمي إلى عصر وطبقة وأمة معينة؛ انظر أيضاً عسلية، "حول ليلى نصير"، 10 والحاشية 23.

[18]  مؤسسة الأتاسي، "أرشيف ليلى نصير"، تقرير فني لأرشيف الفن السوري الحديث. يُرجع هذا المصدر تاريخ معرض المرأة العربية والإبداع الفني لعام 1975، والمعرض الذي ضم أسماء فيومي وغريتا علواني وشلبية إبراهيم لعام 1984.

[19]  سهيل خليل، "ليلى نصير تقرأ في تجربتها التشكيلية: فنانة ترسم بالقوافي وشاعرة تكتب بالألوان"، مقابلة، الناشر والتاريخ غير معروفين، أرشيف الفن السوري الحديث، أرشيف ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي.

[20]  المرجع نفسه، حول دفتر الشعر والنحت، 1969-1972.

[21]  "حوار مع ليلى نصير"، الرأي العام، 1983، أرشيف الفن السوري الحديث، أرشيف ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي، نقلاً عن عسلية، "حول ليلى نصير"، 9 والحاشية 20.

[22]  أحمد قاشا، رواية منشورة في مؤسسة الأتاسي، "أرشيف ليلى نصير"، ترجمة باسل جبيلي.

[23]  مؤسسة الأتاسي، "أرشيف ليلى نصير"، تقرير فني من أرشيف الفن السوري الحديث.

[24]  أحمد قاشا، رواية منشورة في مؤسسة الأتاسي، "أرشيف ليلى نصير"، أرشيف الفن السوري الحديث، حول رحلة نصير إلى بيروت خلال الحرب الأهلية؛ دعوة المعرض، ليلى نصير، مخلوقات، غاليري مارك هاشم، بيروت، 20 مارس/آذار - 2 أبريل/نيسان 2015، أرشيف الفن السوري الحديث، أرشيف ليلى نصير، مؤسسة الأتاسي.

[25]  أنيكا لينسن، التحريض الجميل: الرسم الحديث والسياسة في سوريا (أوكلاند: منشورات جامعة كاليفورنيا، 2020)، وخاصة المقدمة. تعيد لينسن بناء الحداثة السورية من خلال التداولات العابرة للحدود الوطنية، والحركة السكانية، والحدود غير المستقرة تاريخياً للدولة الوطنية السورية.

[26]  عسلية، "حول ليلى نصير"، 3، نقلاً عن مقابلة الزين عام 1985 لتصريح نصير بأن "الاسم ينصب فخاً".

 

المراجع

أرشيف الفن الحديث في سوريا التابع لمؤسسة أتاسي، مجموعة أرشيف ليلى نصير.

نور عسلية، عن ليلى نصير: ما وراء الأعراف الاجتماعية والفنية، ترجمة روبن موغر (دبي: معهد فكر، يونيو/حزيران 2024).

أنيكا لينسن، التحريض الجميل: الرسم الحديث والسياسة في سوريا (أوكلاند: منشورات جامعة كاليفورنيا، 2020).

آنيكا لينسن، نصير، ليلى (1941-)، موسوعة روتليدج للحداثة، (تايلور & فرانسس، 2016)، المعرّف الرقمي: 10.4324/9781135000356-REM495-.

نظرة استعادية لإعادة تخيُّل النسوية الشرق أوسطية مع ليلى نصير، غاليري أيام، دبي، 18 سبتمبر/أيلول - 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

بيث بارون، الأيقونات القومية: مصر كامرأة، في إعادة التفكير في القومية في الشرق الأوسط العربي، تحرير جيمس جانكوفسكي وإسرائيل جيرشوني (نيويورك: منشورات جامعة كولومبيا، 1997)، 105-24؛

دينيز كانديوتي، الهوية وسخطها: المرأة والأمة، مجلة الألفية: مجلة الدراسات الدولية 20، العدد 3 (1991): 429-43.

نغم حذيفة، الوجه والجسد في الفن السوري، في سوريا: نحو الضوء - مختارات من صور شخصية وتماثيل من الفن السوري، من مجموعة مؤسسة أتاسي (مؤسسة أتاسي، 2017).