مقابلة

 

وليد المصري

أصبح وليد المصري اسماً مرادفاً للرسومات الدرامية للكراسي التي شكلت مجموعته الواسعة من سلسلة Perception. غالبًا ما يظهر الجسم المركزي - الكرسي – الذي يبدو معلّقاً في الجزء العلوي من اللوحة القماشية ، بقسمه العلوي المقتطع كما لو كان بالفعل في عملية صعود خارج الإطار، ومع ذلك فإن الجسم ككل ينساب في اللوحة فيظهر كأنه يطفو ويغرق في الوقت ذاته ، إنه جسم في حالة سكون عجيبة. هذه الكراسي، مثل التمثيلات الأخرى الموجودة في أعماله – الطاووس، الشرانق - أصبحت أشياءً يعبر من خلالها المصري عن عملية أو حدث فكري. إن تكرار الصورة وإعادة طرحها يخلق طقساً يعمل بمثابة تسلسل مواضيعي وبصري. إنه بحث فلسفي يتشكل في استطراد ليكتسب زخماً. وليد المصري مولود في سوريا، وقد انتقل إلى فرنسا عام ٢٠١١م ، حيث يقيم منذ ذلك الحين.

2

Walid El-Masri, Peacock, 2019, mixed media on canvas, 130 x 97 cm.

 

أنت ترسم بورتریهات لأشیاء مجردة، كیف تختار هذه الأشیاء؟ 

لدي تقشف على مستوى الموضوع والشكل واللون كي لا یفقد أي منهم صفاؤه. أبدأ برسم كل ما یثیر انتباهي مما یحیط بي، تلك هي طریقتي لإعادة فهم الاشیاء من حولي، تفكیكها وإعادة تركیبها. في السابق كنت ألجأ إلى تحلیل كل عنصر بشكل فیزیائي صارم بمعنى أنه علي إدراك سماته الشكلیة وكذلك دراسة تأثیره وانطباعه البصري والنفسي بشكل دقیق، الكرسي ینتمي إلى هذه الفترة  بعد عمل وتأمل امتد على مدار سنوات وبشكل متواتر وإیقاعات مختلفة دون إلحاح، وَجَدَتْ موضوعات عدیدة مكانها في عالمي وفي لوحتي، وازداد دور الحدس في تطور العمل وفي اختیار الموضوع، فأحیاناً قد لا تكون المبررات واضحة في بدایة الاشتغال على موضوع جدید ثم تصبح أكثر صفاءً مع الوقت مثل مجموعة «الطاووس» التي بدأت منذ سنتین وما زلت أعتقد بأنه من بحث عني ووجدني ولیس العكس.

كانت هناك مجموعات بمواضيع متكررة - كراسي ، طاووس ، شرانق فراشة وما إلى ذلك - ماذا تمثل هذه المواضيع؟ كيف تعرف متى تنتهي من سلسلة؟

حتى الآن لا أعتبر أني انتهیت من العمل على أي من الموضوعات التي بدأتها في الماضي و إنما ابتعد عندما انشغل بمشروع جدید آخر و أترك الباب مفتوح للعودة في أي لحظة. أعمل أحیانا على خمس مجموعات أو أكثر في وقت واحد.

الموضوع هو جزء من العمل ولكنه أيضاً مبرر له، غالبا ما أعتمد تكوینات بسیطة وأبتعد عن تقدیم العنصر من خلال حلول مركبة تعقيدية أجدها غیر ضروریة، نتیجة لذلك قد یبرز التكرار الذي اصبح أحد سمات لوحتي. التكرار هنا يعني الاصطفاء والتركیز على طریق معين و التخلي عن كل ما قد يشكّل تشویشاً. وبذلك فقط تصبح كل لوحة عبارة عن خطوة متقدمة ولیست فقط تكراراً لسابقاتها، حتى وإن اشتَركَت معهن بالتكوین و المعالجة، بحيث يمثل هذا التكرار تراكماً و تنوعاً یتدرج في إیقاع متناسق ویصوغ مشروعاَ متكاملاً. 

​إن عملي لسنین طویلة في حرفة الموزاییك وبعض القراءات مثل مفهوم التكرار لدى جیل دولوز، قد أتاح لي في وقت لاحق القدرة على التمییز بین التطابق من جهة و التكرار والتعدد من جهة أخرى، و منحني القدرة على تمییز الفروق الطفیفة بین الفن كلغة تعبیر والحرفة كمنتج للاستهلاك لا یخلو من قیمة فنیة، فالفن قد یتحول إلى حرفة عندما یعتمد قواعداً وأطراً مسبقة، بمعنى أنه یتحول لأداة تصوغ خططاً مسبقة . 

مثّلتْ شجرة الشرانق بالنسبة لى التواجد في سوریة و خارجها في الوقت ذاته : شجرة بلا جذور تحمل فوق جذعها الضخم الكثیر من الجمال والخراب والموت والحياة. وباعتبار الشرنقة حالة تحول من الكفن إلى الفراشة، عنَت لي رمزاَ للخط الواصل بين الحياة والموت. أما الطاووس فقد منحني الفرصة للتفكير بوالدي واستيعاب الألم الذي وُلد في روحي بعد مقتله في سوريا نهاية عام ٢٠١٧م. 

4

Walid El-Masri, Chairs, 2007, mixed media on paper, 180 x 180 cm.

لقد أصبحت مشهورًا جدًا بسلسلة الكراسي، والتي تمثل رمزًا للهدوء وسط العاصفة والاضطرابات – هل أصبحت هذه السلسلة تقيدك؟ هل تجد أن الناس سريعون بمحاولة تصنيف فنان على أنه "الشخص الذي يرسم هذا أو الشخص الذي يفعل ذاك"؟

يعود سبب شهرة مشروع الكرسي لاختیاري التركیز على عرضها لأكثر من سبع سنوات متتالیة، وكذلك وجود من یسوّق لها بالشكل المناسب (أیام غالیري). أعني أن خیاري هذا كان یتعلق بالعرض ولیس بآلیة العمل داخل المرسم، حیث أفصل بین الاثنین، فلم یسبق لي أن رسمت بهدف التحضیر لمعرض، وإنما الرسم بالنسبة لي ضرورة وحاجة غیر متعلقة بالعرض أعتقد ان مجموعة الكرسي كانت خیار جید إلى حد ما وقد تركت أثراً مما شكل مدخل لباقي المجموعات لمن يتابع عملي. لا أظنّ بأنها قد قیدني فقد اشتغلت على مجموعات كثيرة أخرى بالتوازي مثل مجموعة «النعامة» و مجموعة «الفیل» التي شملت أعمالاً قماشیة و سیرامیكیة و غیرها من المجموعات التي لم تعرض بعد بانتظار من یقدمها بالشكل الصحیح.

قد یكون الناس سریعي التصنیف ولكن تبقى الإیجابیة لشهرة عمل معين أو مجموعة ما أنه یمثل بدایة التواصل بین المتلقي و الفنان، و یشكل فضول لاكتشاف عالمه و الاطلاع على أعماله، و الأمثلة على ذلك كثیرة مثل : عمل الصرخة لإدوارد مونش ومبولة مارسیل دوشامب أو حتى مونالیزا دافنشي ، الخ... 

ما الذي دفعك للانتقال الى فرنسا؟

الإستقرار في فرنسا له إیجابیات عديدة، إلّا أن ما دفعني إلى السفر هو یقیني باستحالة الاستمرار في سوریة و بناء مستقبل بعید عن دائرة نظام الحكم، و كذلك عدم قدرتي على تقبل كل الفساد و الظلم و التخریب الممنهج لكل نواحي الحياة أو القدرة على النجاح بتغيير شيء، إلى أن اتخذت قرار السفر في عام ٢٠٠٩ حيث كانت رغبتي العيش بين فرنسا وسوريا، و غادرت فعلا في منتصف ٢٠١١م، لكن للأسف لم أستطع العودة حتى الآن.

كيف تجلى ذلك في عملك؟

في باریس أجد العالم بتنوعه وتناقضاته: جماله وبشاعته، عدله وظلمه. من المؤكد أن قربي من الأحداث الفنیة الكبرى و المتاحف ووجود مرسمي على بعد بضعة أمتار من اللوفر (حیث بقیت لخمس سنوات)، جعل الفن بالنسبة لي أكثر اعتیادیة و أقل غرابة، إضافة إلی أن وجود روائع فنیة من حقب مختلفة جنباً إلى جنب أتاح لي فرصة المقارنة والتدقیق في فلسفة و أفكار هذه الحقب والتناقضات العدیدة فيها. كل ذلك عزز تحرري من القواعد و الأفكار والأحكام المسبقة في الفن٬ هذا من الناحية الفنیة أما عن الناحیة الإنسانیة فالتعدد الموجود هنا عزز انتمائي للإنسانیة بعیداً عن الحدود الجغرافیة .

6

Walid El-Masri, Elephant, 2011, mixed media on canvas, 150 x 145 cm.

ما هو تأثیر الصراع السوري على عملك - هل یمنحك العیش خارج سوریا المزید من الوضوح لرؤیة الموقف أم أنه یخلق إحباطاً؟ هل من المهم بالنسبة لك معالجته من خلال عملك أم أنه من السابق لأوانه تحدید ذلك؟ 

عندما غادرت سوریا كان قد مضى على انطلاق المظاهرات ضد النظام ثلاثة أشهر. إن هول ما كان یجري وعنفه قد غیرا نظرتي إلى كل شيء من حولي بما فیه الفن. تساءلت أمام صدمة كل هذا الموت والظلم ماذا یمكن للفن أن یفعل؟ لم أتوقف عن الرسم وربما صرت أرسم بكثافة أكثر و لكن باضطراب شدید، لم أستطع مواصلة العمل بآلیة التفكیر التي كنت أعمل ضمنها قبل آذار ٢٠١١م، حیث لم أستطع إغماض عیني للحظة أمام كل هذا الجحیم، رسمت صور الجثث و الدمار كي أتشبث في سوریة و أستوعب ما یجري، حمّلتُ اللوحة حتى ما لا طاقة لها على حمله، والنتیجة كانت في مجموعتي «مفقود» و «تحت سقف الوطن»  وغیرها من المجموعات المحملة برسائل، وهذا بالذات ما لا یشبه آلیة بنائي للوحة. كما قمت بتحضیر عمل تركيبي ضخم لیتم تعلیقه على جذوع ألفي شجرة للفت الانتباه إلى ما یحدث في سوریا لكن لم یكتب له التنفیذ. هذا المشروع كان له لاحقاً دور في تبلور مجموعة «الشرنقة»، وبعدها أنجزت مجموعة «الأطفال» وهكذا. هذه المجموعات حملت كل تفاصیل الألم السوري في داخلي دون أن تفرض رسائلاً محددة، بمعنى آخر، استرجعتُ لغة اللوحة كما هو مفهومي عنها.

لم أكن أحتاج للوجود في فرنسا لفهم ما یجري في سوریا فهو واضح لكل سوري له ذاكرة وعایش هذا النظام منذ الثمانینات ولكن الوجود هنا جعلني أفهم أكثر ما یعنیه الظلم و المتاجرة بالمفاهیم الكبیرة، كالحریة والعدالة وغیرها في مقابل بیع السلاح وطمر نفایات الحضارة و جعلني أفهم أن المجتمعات في جهة و حكامها في جهة أخرى. بمعنى أن مفهوم الظلم لم یعد محلياً یخص بلد بعینه. و هذا قد عزز قناعتي بالمؤامرة التي سبق وتحدث عنها النظام و اقتنعت أكثر بأنه هو ذاته أداتها الأبرز في سوریة. 

7

Walid El-Masri, Chairs, 2008, mixed media on canvas, 80 x 180 cm.

دعنا نتحدث عن استخدامك للون: عند بدء عمل جدید، مظلم أو فاتح، كیف تختار؟ 

لتأثیرات الماء وحركته واختلاطه مع المادة الدور الأكبر في تطور عملي من البدایة حتى النهایة، للون والشكل طاقة كبیرة أتفاعل معها بشدة وبحریة، الحیاة ملیئة بالألوان واللوحة هي روح الحیاة الموازیة ولیست تقلیداً لها، لذا قد تظهر اللوحة متقشفة بعض الشيء مما یمنحها عذروبة وجلالاً. مع ذلك إلى الآن لا توجد صیغة ثابتة لبناء العمل، فلكل خواصه المختلفة. هناك أعمال تنجز خلال ساعات و أخرى تبقى لسنوات من البناء و المراجعة و كأنها مختبر . 

على ماذا تعمل في الوقت الحالي؟ هل تعمل على شيء جدید أم أنك تطور سلسلة موجودة ؟ 

في مرسمي أعمل على الطاووس، إضافة لذلك أعمل على مشروع كبیر هو عبارة عن أربعة عشر عمل من الحجم الكبیر، وهي أعمال مشتركة مع مئتين واثنين وعشرين طفل وذلك بالتعاون مع المدیریة الإقلیمیة للنشاطات الثقافیة في النورماندي   LA DRAو مركز الفن المعاصر في النورماندي  Le SHED، حیث سیتم تنظيم معرض كبیر لهذه الأعمال عند إنجازها . قد أنجزنا بالفعل نصفها وننتظر انحسار الوباء للمتابعة.