مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد

هذه المقالة مقتطفة من بحثي الأكاديمي لنيل درجة الماجستير، بحثٌ حاولت فيه النظر في تجليات الفن التشكيلي السوري تحت حكم حافظ الأسد بين  عامي ١٩٧٠ و٢٠٠٠،  بهدف تسليط الضوء على المواضيع التي عالجها الفنانون والفنانات وعلى التحديات التي واجهتهم و الحوارات التي خاضوها مع السلطة ومع المتلقي في ظل نظام قمعي إقصائي، وذلك ضمن إطار الخطاب الثقافي المُسيَّس المهيمن.  بحثت أيضاً في الطرق التي اتبعوها لتحقيق ذوات فنية مستقلة تتناسب مع المفاهيم المتأصلة والمتوارثة في الوعي السوري عن طبيعة الفن والفنان ودورهما.

مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد - Features - Atassi Foundation

فاتح المدرس وعبد العزيز علون في صالة الفن الحديث العالمي. صورة من كتاب «منعطف الستينات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سورية» لعبدالعزيز علون.

في نيسان ١٩٦٢، وبعد أشهر قليلة من انسحاب سورية من الجمهورية العربية المتحدة (١٩٥٨–١٩٦١)، نشر الفنّانان فاتح المدرّس (١٩٢٢–١٩٩٩) ومحمود دعدوش (١٩٣٤–٢٠٠٨) بالاشتراك مع الناقد عبد العزيز علّون (١٩٣٤–٢٠١١) في مجلة صوت العرب بياناً فنياً للحركة التشكيلية في سورية (مانيفست) أمِلوا «أن يكون (...) أشبه باتجاه حضاري يجمع كل من يعمل في المجال الفني هنا. ويخط للحركة الفنية في المستقبل منهجاً تسير عليه»،[1] حسب علون. 

مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد - Features - Atassi Foundation

صورة من كتاب «منعطف الستينات في تاريخ الفنون الجميلة

المعاصرة في سورية» لعبد العزيز علون

كان هذا البيان، الذي أعاد علون نشره ضمنه كتابه «منعطف الستينات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سوريا» المنشور عام ٢٠٠٣، ثمرة نقاشات مكثفة جمعت عدداً من الفنانين والنقاد في صالة الفن الحديث العالمي على مدى أيام تناولوا فيها بعض المقاربات الفنية الغربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وألقوا المحاضرات حول الفنون الشعبية السورية وتبادلوا الآراء حول تاريخ الفن السوري. ثم قسّموا الحضور إلى مجموعات، تتولى كل منها معالجة أحد محاور النقاش. روى عبد العزيز علّون لاحقاً في رسالة إلى الفنان والكاتب سلمان قطايه (١٩٣٠–٢٠٠٤) أن النقاشات بين الحاضرين كانت حادة وجدلية مؤكّداً أن غياب الشعراء والكتّاب والمثقفين والموسيقيين والمعماريين «ومخاوف بعض الأشخاص ومحاولاتهم تضييق المناقشات» [2] جعلت النقاشات قليلة الجدوى، فاجتمع علون أخيراً مع المدرّس ودعدوش في منزل المدرّس لصياغة المسودة النهائية للبيان وتوقيعه.

وكي يكون نصّهم «أشبه باتجاه حضاري» للحركة التشكيلية الناهضة كما أرادوا، عرّف الموقّعون الفنّ في البند الأول بأنه «صفر فاصلة عشرة، قائم على مخرج سحري، لأنه إنسانية شفافة مرتبطة بالبعد الرابع للوجود». وصفر فاصلة عشرة هي إشارة إلى المعرض المستقبلي الأخير (المعروف أيضاً ب ٠،١٠) الذي أقيم عام ١٩١٥ في بتروغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) والذي عرض  فيه الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش (١٨٧٩–١٩٣٥) لوحته الشهيرة المربع الأسود كأيقونة للعدمية واللاشكليّة، والذي شكّل بداية لعصرٍ نظَر فيه الفنانون بعيداً عن الواقع، في فضاء يتجاوز المرئي، ويحمل في داخله إمكانية الإصلاح الطوباوي. لا شكّ أن هذه الاستعارة أضفت على البيان السوري في أولى نقاطه طابعاً مستقبلياً ثورياً؛ مستلهماً بداية ماليفتش لفن جديد يكسر التقاليد، ويسعى في الوقت نفسه إلى وضع الفن السوري في بُعد فلسفي ونخبوي. غير أن الأهمّ من ذلك هو أن الموقّعين كانوا يتطلعون إلى إدراج محاولتهم النظرية في سياق طليعي تاريخي « avant-gardist »، وإلى تأسيس حركة تدفع بالتفكير في الفن في سورية قُدماً، في وقت كانت سورية تعيش حقبة إعادة تعريف للهوية والبنى الوطنيّة. 

دعت البداية الجديدة التي أُعلنها بيان عام ١٩٦٢ الفن في بنده الثاني إلى إغناء التراث الإنساني ب«تلميحات إبداعية مهما صغرت»، «لأن الفن هو إضافة أحاسيس جديدة إلى التراث الإنساني». أكد هذا التعريف الأنطولوجي للإبداع الفني أن «الفن الأصيل» ليس محض محاكاة للعالم المحيط، بل هو بالأحرى «دخول ومشاركة في خلق الوجود». يُسند البيان إلى الفن كذلك «صوفية معاصرة»، تحض على استعادة العلاقة «المقدسة» بالمادة، والاعتراف بخلودها وحركتها الدائمة – وهي جوانب يرى البيان أنها تلاشت في عصر التصنيع. وهو يوضح أن الفنان «ساعة الخلق» يشكّل وحدة تتحرر من عبودية المادة، فالمادة حين ترتبط بعمل فني، «يصبح لها قدسية اللحم الحي». ورغم رفض الموقعين «للرموز» في البند الخامس  أو رفضهم ل«عنصر الشعر»  لأن الفن حسب رأيهم «إحساس بالمادة التي يبدع فيها الفنان»، فإنهم ينسبون إلى الفن في البند نفسه «القدرة على إبداع التزامات جديدة تصل أعماق الإنسان بالفراغ الكوني» ما يدل على تناقض مابين المادي الملموس واحتمالية بعده الكوني التي لا يمكن قراءتها إلا رمزياً. وبحسب البيان  ليس على الفنان أن يحاول الانخراط صراحةً بالجماعة، إذ إنها كامنة فيه أصلاً، لكنه يتحمل مسؤولية عكس الإدراك الجمعي المادي لبيئته – مسؤولية حضارية للتعبير عن «اللونين الفيزيائي والجماعي الذين تعكسهما الشمس على تراب بقعة معينة يعيش فوقها، لأنها من منابع  إغناء التراث الإنساني». وهنا يبدو الموقعون مهتمون بمشاركة الفن على الأرض السورية كمساهمة بفن إنساني أشمل.  و«الفنان العربي» في بند لاحق مكلف حسب البيان بمهمة خاصة؛ إذ عليه أن ينطلق من موقعه لينقل قيماً ومُثلاً تخدم الإنسانية جمعاء. على ذلك يؤكد البيان على «قدسية حرية الإنسان والفنان بصورة خاصة لأن الحرية هي الجو الطبيعي الذي ينبت فيه الفن».[3]

يوضح ملخص البيان رغبة موقّعيه في رسم نقطة انطلاق جديدة في تعريف الفن السوري والفنانين السوريين، فهو يهدف إلى النظر في الفن من حيث خصائصه ووظيفته، جامعاً بين الجمالي والسياسي. لكنه في الحقيقة يعيد تناول نقاشات وأفكار متناقضة سبقت ظهوره ويحاول بلورتها وطرحها بشكل أوضح. فقد تبدو صورة «الفنان العربي» الذي يجمع مابين الاستقلالية الفنية من جهة والمسؤولية القومية من جهة أخرى متناقضة في الوهلة الأولى. فكيف يكون الفنان حراً في إبداعه ومسؤولاً في الوقت نفسه؟ فكرة قد لا تتناسب مع مفهوم حرية الفنان واستقلاليته التي تعززت في القرن العشرين في الغرب. 

لكن هذه الرؤية كانت قد شكّلت نموذجاً راسخاً لمفهوم الفنان سواء في زمن الاستعمار الفرنسي أو مابعده منذ ١٩٤٦ وليس فقط في سورية. فبحسب القيّم والكاتب النيجيري أوكوي إنويزور، شكّل العقدان بين ١٩٤٥ و١٩٦٥ مرحلة تحوّل ثقافية عالمية، لا سيما بعد انحسار سلطات العديد من الدول الاستعمارية، ومع الانتشار المتزايد لوسائل الإعلام. فانشغل الفنانون خارج الغرب الأوروبي  وأمريكا الشمالية بشدة بـالبحث في فنون ثقافاتهم المحلية و بتطوير مفردات ومواد وأساليب جديدة تنأى بنفسها عن ثقافات المستعمر. وهذه شكّلت، كما يرى إنويزور، صورة لـ «حداثات بديلة». فلا يمكن مثلاً رؤية فنون الشرق الأوسط في القرن العشرين بمنظار الحداثة الأوروبي. ومع بداية الصراع بين الشرق والغرب وفي سباق الهيمنة الثقافية والانقسام الإيديولوجي، وجد الفنانون أنفسهم منخرطين أكثر فأكثر في نقاشات حول الهوية الثقافية المناسبة لأممهم الناشئة.[4]

وكذلك كان الحال في سورية، حيث تمحورت النقاشات في المنطقة في الغالب – كما تقول مؤرخة الفن سيلفيا نايف – حول مفهومي الحداثة والأصالة[5]،  وفي سوريا بشكل خاص حول التيارات الفنية المعروفة بالتجريدية والواقعية. وهذا ما درسته الباحثة والمؤرخة المختصة في الرسم الحديث والفنون البصرية المعاصرة في الشرق الأوسط أنيكا لينسن وكتبت عنه في عدة نصوص منها أطروحتها المطولة The Shape of the Support: Painting and Politics in Syria's Twentieth Century. فقد أوضحت أن الروّاد على الأرض السورية على الخصوص قد عملوا فوق بنى تحتية ثقافية متواضعة، وخارج النظام الثقافي الثلاثي المعروف في الغرب والمكوّن عادة من الصالات الخاصة والمتاحف العامة والنقد الصحفي المستقل.[6] فكان الفنانون بصفتهم عاملين في الحقل الثقافي غالباً أعضاء في جمعيات كانت على علاقات بتكتلات سياسية أو حركية مؤيدة للعروبة أو للوطنية السورية. وكان القيمون على هذه الأحزاب السياسية يرون أن الأمة القوية يجب أن تُقدِّر ثقافة فنية رفيعة.

على سبيل المثال، ناقش أعضاء ستوديو فيرونيز، وهو تجمع فني أسسه فنانون كان بعضهم قد درس في الخارج –  فن الرسم ومسؤوليته الاجتماعية. وقد أسسوا سنة ١٩٤٣ الجمعية العربية للفنون الجميلة، ترأسها سعيد تحسين وكان نائبه محمود جلال، والتي قدّمت في السنوات الأخيرة للانتداب الفرنسي دورات مجانية في الرسم والفنون الحرفية المحلية مثل نسج السجاد، ونفخ الزجاج، والخط العربي وقاموا بالترويج لها كفن وطني وليس كسلعة تباع في الخارج كما أرادت معاهد الانتداب.[7] كما سخّروا مواهبهم لإنجاز طلبات المؤسسات الحكومية الناشئة ومبانيها الإدارية عبر تقديم جداريات ولوحات تاريخية تتناول رموزاً وطنية.[8] كانت مثل هذه الصور ذات الطابع السياسي الملتزم، كما تقول لنسن، ذات وظيفة دعائية تحريضية agitating، هدفها جعل المسؤولية الاجتماعية للفنان واضحة وملموسة، بل والأهم الحث على المشاركة بالشأن السياسي.[9] وهكذا ارتبطت الحداثة الفنية بعاملين اثنين أولهما التحرر السياسي من سلطة غريبة، وثانيهما التحرر الإبداعي على المستوى الشخصي للفنان. توضح لنسن: «في نقاط التقاطع تلك، لطالما استُخدم مفهوم الاستقلالية الفنية، الذي يشكّل القيمة التعريفية الأساسية للمؤسسة الفنية العالمية الحديثة ، كسياسة للتحرر والمقاومة القائمة على المبادئ».[10]

درست لينسن في أطروحتها محاولات فناني الدولة السورية في طور نشوئها صياغة فن سوري جديد يكون متجذراً في العمق الروحاني للمتلقي المحلي كما في واقعه الاجتماعي. فجرب فنانون مثل أدهم اسماعيل (١٩٢٢–١٩٦٣) ومحمود حماد (١٩٢٣–١٩٨٨) الأشكال والمواد وبحثوا في الزخرفة والخط العربي عن سبل لإعادة تفعيل ذاكرة جمعية تجلت في أعمالهما مرئياً. وقد أظهرت عملية تحديث الأرابيسك أو إدماج اللغة الفصحى المكتوبة في اللوحة أن الفنانين السوريين كانوا يبحثون عن مخزون شكلي محلي أصيل وقابل في الوقت ذاته للانفتاح على العالمية.

مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد - Features - Atassi Foundation

محمود حماد، كتابة عربية، ١٩٦٥، زيت على قماش، ٧٥ x ٧٥ سم. الصورة من صفحة الفنان محمود حماد على فيسبوك.

تُظهر لوحة الفنان محمود حماد من عام ١٩٦٥ مثلاً هذه المحاولات. فقد استلهم الفنان الشطر الأول من بيت الشعر: «أعلمه الرماية كل يومٍ… فلمّا اشتدّ ساعده رماني» من القرن السابع[11] كعنصر تشكيلي حوّل فيه الحروف إلى تكوينات هندسية متشابكة متداخلة تطفو في فضاء مجرد. أراد فيها ولا بد التأكيد على علاقة اللغة العربية بالتجريد وربطها بالحركات التشكيلية الحديثة. على صعيد مقابل مثلت اللغة دائماً الرابط المشترك الأول بين شعوب «الوطن العربي». ويبدو أن فناني التشكيل – مثل حمّاد – أرادوا من استخدامهم اللغة العربية وتحديثها أن يفتحوا آفاقاً لمستقبل ثقافي مشترك يجمعهم مع قاطني وطن عربي أكبر، خصوصاً أن هذه اللغة تولّد لدى المتلقي العربي عند وضعها في إطار اللوحة شعوراً بالحميمية الثقافية، فهي سمة محورية لثقافة قديمة ما تزال حية ومتطورة. وهذا ما يعيدنا إلى البيان أعلاه والذي تحدث عن مسؤولية الفنان أمام الجماعة حيث «ليس على الفنان أن يحاول الانخراط صراحةً بالجماعة، إذ إنها كامنة فيه أصلاً، لكنه يتحمل مسؤولية عكس الإدراك الجمعي المادي لبيئته».

إلى ذلك أوضحت لنسن كيف عالج الفنان السوري المعروف فاتح المدرس في لوحاته إرثاً هائلاً من الاستمرارية الإبداعية محاولاً محاكاة أبعاداً ميتافيزيقية من دون أن يسلّم نفسه لقراءة دوغمائية يتبناها أي توجه سياسي. في هذه المرحلة لم تسعَ الفنون السورية إلى التعليق على الحاضر فقط، بل إلى ممارسة شيء من التنقيب في الذاكرة – تارة بشكل تأكيدي، وتارة أخرى بشكل نقدي.

بعد عام على البيان وفي سنة ١٩٦٣ استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب عسكري. وبعد سبع سنوات أخرى، أصبح الضابط حافظ الأسد (١٩٣٠–٢٠٠٠) رئيساً للجمهورية على إثر انقلاب جديد. باتت الفنون في الخطاب الثقافي الرسمي في ظل حكم حافظ الأسد تُقيَّم وفق نفعها، وقابليتها للتواصل المباشر مع الشعب وعلى أساس «صحتها» الأخلاقية. فتم تهميش أشكال مثل التجريد أو السوريالية. ولم يكن الأمر مجرد رقابة، بل أشبه بعملية انتقاء منظَّم: فن موجَّه داخلياً ومُستَخدم خارجياً للتمثيل الاستراتيجي. 

بعد خمسة وعشرين عاماً من حكم الأسد، كتب رئيس تحرير المجلة الفنية الرسمية الوحيدة الحياة التشكيلية طارق الشريف (١٩٣٥–٢٠١٣) في كلمته الافتتاحية لعدد آذار ١٩٩٥:  

«يتطور الفن التشكيلي المعاصر في سورية، وتنمو حركتنا الفنية على نحو يحقق الفنان فيه إبداعه الشخصي، ونموه المستقل الذي يؤكد على الصلة الوثيقة بين الفنان، وبين القضايا المصيرية التي تعيشها أمتنا العربية،... وقد توصل كل فنان من فنانينا إلى شخصية فنية لها حضورها المميز، الذي يدل على أن الحركة الفنية قد دخلت مرحلة النضج وتجاوزت مرحلة التأثر إلى الإبداع الذي يعني أنها قد أصبحت صلبة قوية، بما تملكه من أسماء فنية هامة، حققت الحضور العالمي المميز، والسمعة العطرة التي تتمتع بها (...) وذلك لأنها تعيش في بلد، يفخر الفنانون به، إنهم من (سورية ... حافظ الأسد) وبفضل قيادته التاريخية توفّر للفنانين كل ما يحلمون به من الأمن والاستقرار الذي يساعدهم على الإنتاج ويشجعهم على الإبداع وممارسة الفن وإقامة المعارض وتطوير المواهب وحمايتها وتوفير أمكنة الدراسة والتأهيل والتدريب على كل المستويات...» [12] 

تصور شهادة الشريف هذه الفن السوري في التسعينات كفنّ ناضج، وصل ما كان يرمو إليه، فنّ مستقلّ وأصيل. استعان فيها بمفردات تعكس الخطاب الثقافي الرسمي والدعاية الوطنية في تلك الفترة. وفي حين شكلت كلمات مثل الاستقلالية الفنية (بمعنى الابتعاد عن التأثر بالقيم الجمالية الغربية) والتشبث بالأصالة العربية محوراً دائماً للنقاشات الدائرة حول الفن التشكيلي منذ مطلع الحركات القومية في المنطقة، فإن الادعاء باستقلال الفنانين وامتلاكهم للحرية الإبداعية في سورية الأسد تصريحٌ يدعو للجدل، إذ غالباً ما كان الفن في ظل حكم البعث خاضعاً لتوجيهات إيديولوجية، وما اعتُبر استقراراً وأمناً في المشهد الثقافي الأسدي، لطالما رأى فيه النقاد ركوداً منبعه الأساسي القمع والخوف.

مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد - Features - Atassi Foundation

صورة من كتيب معرض المعهد المتوسط للفنون التطبيقية عام ١٩٩٩ 

 

لاحقاً وفي الصفحة الأولى من كتيب معرض معهد الفنون التطبيقية في دمشق للعام ١٩٩٩ نقرأ  مثلاً كلمة «الرفيق القائد حافظ الأسد»: «... إن قيمة الإنسان تكمن فيما يقدّمه لوطنه...»[13]  قيمة الإنسان، وفي هذه السياق ربما قيمة عمله الإبداعي، تحددها حسب الأسد خدمته للوطن. لكن مفهوم الوطن في سورية الأسد كان مساوياً للدولة، والدولة كما ورد في اقتباس الشريف كانت مساوية لشخص الأسد. أي أن قيمة الإنسان تكمن أولاً فيما يقدمه لخدمة الأسد. وغالباً ما حدد الخطاب الثقافي السوري قيمة العمل الفني في التزامه. فلا فن يستحق الاحترام أو النقاش سوى الفن الملتزم.

 إلا أن «الالتزام الفني» استُعمل في الخطاب السوري بأشكال متعددة – التزام بالثقافة الإسلامية الأصيلة، أو بحلم الأمة العربية، أو بالثقافات المحلية أو التاريخية أو بالقيم الاجتماعية أو الأخلاقية التقليدية أو في كثير من الأحيان برفض تسليع الفن والمتاجرة به والتأكيد على دوره كقيمة اشتراكية – لكن في الحقيقة كان التزام العمل الفني بتعليمات وزارة الثقافة الرقابية (والتي كانت مبهمة غالباً) كان هو المعيار الأهم للاعتراف به أو السماح بعرضه. نظر نظام حافظ الأسد إلى الثقافة باعتبارها أداة لتوجيه الرأي العام، واستغلها وطوّعها كلما سنحت له الفرصة في سبيل شرعنة سلطته.

كان الفنان محمود دعدوش الموقع على البيان المذكور قد افتتح صالة الفن الحديث العالمي عام ١٩٦٠ مع أخيه محمد في العام نفسه الذي تأسست فيه أول كلية للفنون الجميلة في دمشق وبعد عامين من إنشاء وزارة الثقافة والإرشاد القومي. شكّل افتتاح هذه الصالة نقطة تحوّل حاسمة في المشهد الفني السوري؛ فباعتبارها أول صالة عرض خاصة نظمت هذه المعارض بوتيرة أسرع من قاعات العرض الحكومية، وقدّمت برنامجاً متنوعاً، وأسّست لسوق فني أكثر نشاطاً، كما وفّرت للفنانين ولشريحة أكبر من المتلقين فرصة للتعرّف على الفن المعاصر. فأفسحت من خلال المحاضرات المسائية واللقاءات الروتينية مجالاً أوسع للنقاشات حول الفن والأدب والثقافة وعلاقتها بالمجتمع والسياسة كما حول مسألة استقلاليتها عنهما. 

لكن صالة الفن الحديث العالمي تنقّلت في ظل حكم الأسد بين مواقع مختلفة وتحت أسماء مختلفة في دمشق، حتى أغلقت أبوابها نهائياً سنة ١٩٧٦. وانتقل مؤسسها محمود دعدوش عام ١٩٨٥ إلى إيطاليا حيث افتتح غاليري أورنينا للفن الحديث.[14] تأسست عام ١٩٦٢ صالتان خاصتان أخريان (إسباس وصوّان)، لكنهما أغلقتا بحلول ١٩٦٥. [15] وبعد عام ١٩٧٠ لم تُفتتح في سورية سوى صالات عرض قليلة، أبرزها غاليري أتاسي في حمص عام ١٩٨٦، والتي انتقلت إلى دمشق عام ١٩٩٣، إضافة إلى صالات إيبلا ورواق وعشتار.[16] لكن هذه الأخيرة لم تمارس سوى نشاط متواضع حتى مطلع الألفية. أما المعارض البارزة فكانت من تنظيم الوزارات ونقابة الفنون الجميلة والمتاحف الحكومية، باستثناء الفعاليات التي أقيمت في المراكز الثقافية التابعة للسفارات الأجنبية، مثل معهد غوته الألماني والمركز الثقافي الفرنسي بدمشق.

مانيفست الحركة التشكيلية في سورية قبل الأسد - Features - Atassi Foundation

إعلان ندوة في صالة الفن الحديث العالمي لعبد القادر أرناؤوط، ١٩٦١

تُظهر هذه القراءة السريعة في محطات متباعدة للمشهد الفني السوري، كيف تشكّل الفن في سورية داخل مسار مركّب جمع بين الطموح الطليعي من جهة، وبين اشتراطات الدولة الأيديولوجية من جهة أخرى حيث برزت بداية رغبة حقيقية لدى الفنانين في بناء حداثة محلية تطمح في الوقت نفسه إلى الانفتاح على العالم. لكن هذه الرغبة اصطدمت تدريجياً بتحوّل الدولة إلى راعٍ حصري للحقل الثقافي، وبنشوء منظومة من القيم الرسمية التي أعادت تعريف الفن وفق معايير النفع السياسي والأخلاقي، فانتقل النقاش شيئاً فشيئاً من سؤال الإبداع إلى سؤال الجدوى، ومن البحث في اللغة التشكيلية إلى البحث في الولاء.

في هذا السياق المتقلّب، بدا الفنانون والفنانات وكأنهم يتحركون بين حدّين: حدّ الاستقلال الذاتي الذي بشّر به البيان المبكر، وحدّ الالتزام الذي فرضته سلطة الأسد الأولى وجعلت منه معياراً للاعتراف والظهور. تكشف هذه المرحلة إذاً عن مفارقة مركزية تُلازم الفن السوري: سعيٌ لاستقلالية جمالية تتجذّر في الذاكرة والبيئة والتجربة، يقابله خطاب رسمي يسعى إلى احتوائها وإعادة تأويلها ضمن سردية الدولة. وإن كانت السردية عندئذ محكومة بحلم الوطن فهي اليوم ولا بد محكومة بالذاكرة والجرح. ولا بد أن دراسة الحقبة الماضية ضرورية لفهم العلاقة المتقلّبة بين الفن والسلطة في سورية، ولإدراك كيف وُلدت داخل هذا المجال توتراته الكبرى: بين الحرية والالتزام، بين الأصالة والحداثة، وبين الذاكرة الجماعية والسرديات السائدة.

الحاشية:

[1] عبد العزيز علون إلى سلمان قطايه، نُشرت أصلاً في: صوت العرب، ٢٠/٥/١٩٦٢، أُعيد نشرها في: منعطف الستينات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سورية، للكاتب عبد العزيز علون ، دمشق، دار دعدوش، ٢٠٠٣، ص ٨٢-٨٤.

[2] المصدر السابق.

[3] عبد العزيز علون وفاتح المدرس ومحمود دعدوش: مانيفست: بيان فني للحركة التشكيلية في سورية، في: منعطف الستينات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سورية، للكاتب عبد العزيز علون، دمشق، دار دعدوش، ٢٠٠٣، ص ٧٨.

[4] أوكوي إنويزور، مقدمة، في: Postwar: Kunst zwischen Pazifik und Atlantik - 1965 1945، تحرير: كاتي زيغل وأوكوي إنويزور وأولريش فيلميز، ميونيخ، دار بريستل، ٢٠١٦، ص ١٤.

[5] سيلفيا نايف، Reexploring Islamic Art: Modern and Contemporary Creation in the Arab World and its Relation to the Artistic Past ، في : RES Spring   Anthropology and Aesthetics: Islamic Arts، المجلد ٤٣، ٢٠٠٣، ص ١٦٧، رابط: Reexploring Islamic Art: Modern and Contemporary Creation in the Arab World and Its Relation to the Artistic Past on JSTOR.  الاطلاع في: ٢٠/٠٥/٢٠٢٥.

 [6] أنيكا لينسن، The Shape of the Support: Painting and Politics in Syria's Twentieth Century، أطروحة، ماساتشوستس ، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ، ٢٠١٤، ص ٢٠.

[7] غازي الخالدي، الجمعيات الفنية في سورية منذ عام ١٩٢٥ حتى اليوم، في: البعث، دمشق، ١١/١٢/١٩٦٨، ص ٦. قارن أيضاً : لينسن ٢٠١٤، ص ٣٢. ولبنى حماد، تاريخ جمعيات الفن في دمشق خلال القرن العشرين: من النشوء حتى المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة في دمشق عام ١٩٧١، على: atassifoundation.com، تاريخ غير معروف. رابط https://www.atassifoundation.com/ar/features/trykh-t-sys-ljm-yt-lfny-bdmshq-fy-lqrn-l-shryn-mndh-bdy-zhwrh-wht-n-qd-lmw-tmr-l-rby-l-wl-llfnwn-ljmyl-bdmshq-m-1971  الاطلاع في : ٣/٥/٢٠٢٥.

[8] لينسن ٢٠١٤، ص ٣٥.

[9] المصدر السابق، ص ٣٩.

[10] المصدر السابق.

[11] البيت الشعري منسوب إلى معن بن أوس (ت. ٦٨٣؟). انظر.ي: أشعار معن بن أوس: النص العربي مع تعليق Gedichte des Ma'n Ibn Aus: Arabischer Text und Kommentar، للؤلفين: بول شوارز، لايبزيغ، أوتو هاراسويتز، ١٩٠٣، ص ٢٢. مقتبس أيضاً في: الحريري، درة الغواص في أوهام الخواص، تحقيق: بشار بكور وحسام الدين فاروق، دمشق، معهد الفتح الإسلامي، ٢٠٠٢، ص ٣٢١.

[12] طارق الشريف، الكلمة الافتتاحية في: الحياة التشكيلية، المجلد ٥٧-٥٨، دمشق، وزارة الثقافة، آذار ١٩٩٥، ص ٢-٣.

[13] كتيب المعرض العاشر لمعهد الفنون التطبيقية، دمشق، مطابع وزارة الثقافة، ١٩٩٩، رقم الصفحة غير معروف.

[14] لبنى حماد، تاريخ جمعيات الفن في دمشق خلال القرن العشرين: من النشوء حتى المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة في دمشق عام ١٩٧١.

[15] صالة الصوان ١٩٦٢–١٩٦٥ وصالة إسباس ١٩٦٢–١٩٦٤. انظر/ي: غازي الخالدي، فنون، في: المعرفة، المجلد ٤٣، دمشق ، وزارة الثقافة ، ١/٧/١٩٦٥، ص ١٦٧-١٧٤.

[16] غازي الخالدي، أربعون عاماً من الفن التشكيلي في القطر العربي السوري، دمشق، نقابة الفنون الجميلة، ١٩٧١، ص ٦.