منفعة عامة أم تحقيق تطلعات فردية – تجربة شخصية

تُشاركنا شيرين أتاسي ما يعنيه بالنسبة لها أن تكون أمينة على مؤسسة أتاسي ومقتنياتها من أعمال فنية، سواء على مستوى الدور الذي تضطلع به كممثلة عن الجيل الثاني الوصيّ على المؤسسة، أو رؤيتها تجاه الدور الذي تلعبه المؤسسة، إلى جانب خططها المستقبلية.

 

اسمحوا لي أن أقدِّم نفسي لأولئك الذين لا يعرفوني. أنا شيرين ابنة منى وصادق أتاسي، الشغوفَين بجمع الأعمال الفنية واللذَين يعود لهما الفضل في إنشاء "مؤسسة أتاسي للفنون والثقافة". حظيتُ بأن أترعرع وأنا محاطة بفنانين ومثقفين ومفكِّرين، ولكني لم أشقّ طريقاً مهنياً في حقل الفن والثقافة. بدلاً من ذلك، سلكتُ خطتي الشخصية لمدة 20 عاماً، حتى سنة 2015 عندما قررنا إطلاق مؤسسة أتاسي رسمياً. ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن، أضطلعُ بمسؤولية إدارتها، ونجحتُ في خضمّ ذلك باستعادة الجوهر الحقيقي لذاتي.

نظراً لانتمائي إلى عائلة تجمع الأعمال الفنية، تشرَّبتُ أنا أيضاً تقدير الفن وتذوُّقه وحُبه. ورغم أني أقتني أعمالاً فنية بين الحين والآخر، إلا أن الشغف بالفن والتوق للمعرفة والتعلُّم أكثر أهمية بالنسبة لي من مقتنياتي الفنية المتواضعة. وبينما حجم مجموعتي بسيط بحيث يمكنني عرضها في المنزل، إلا أن مجموعة والديّ ليست صغيرة هكذا. وبغض النظر عن حجم المجموعة المتواضع بالمقارنة مع العديد من المجموعات الرائعة الأخرى المكرَّسة لفن الشرق الأوسط، تكمن قوة مجموعة العائلة في تفرّدها، وفي قوّة وشمولية تمثيلها للفن السوري. حيث أن نسبة تزيد عن 95 في المئة منها تعود لفنانين سوريين، وتغطي فترة زمنية تربو على قرن من الإبداع الفني في سوريا بدءاً من سنة 1908 ووصولاً إلى 2021.

وعلى عكس الاعتقاد الشائع، لا يحتاج تكوين مجموعة فنية ناجحة لثروة كبيرة، بل يتطلّب امتلاك المعرفة والتمتع بالبصيرة! فجامع الأعمال الفنية هو من ينسج فصول حكاية الأعمال المقتناة بحيث تُشكّل مجتمعة سرداً متماسكاً. ومع مرور الزمن، تصبح المجموعة لساناً ناطقاً باسم أصحابها، فتعكس رؤيتهم وتُجسِّد مقاربتهم للعالَم المحيط بهم.

لا تقتصر مجموعة مؤسسة أتاسي الفنية على تجسيد نظرة أصحابها والفنانين فحسب، بل تُبرِز بدرجة أكبر حكاية سوريا وتقدِّم إضاءات على الثقافة والمجتمع والجغرافيا، بدرجة أكبر من كتب التاريخ بحسب البعض. وبالإجمال، ترسم المجموعة معالم هوية مشتركة موحِّدة لكافة السوريين، صامدة في وجه كل الانقسامات التي لحقت بالنسيج الاجتماعي. كما تحتفي بتعدديتنا وبتنوّع تضاريس بلدنا وبهويتنا الثقافية.

أما على المستوى الشخصي، شَكّلتْ هذه المجموعة الفنية، ولا تزال، هويتي الشخصية كفرد، وكمواطِنة سوريّة، لا سيما بعد عام 2011. فقد ساعدتني على تصوُّر الماضي وتأثيره على مستقبلي. وبفضلها، نجحتُ بالغوص في أعماقي وتحديد موقعي وموقفي من الجوانب والأوجه المختلفة للمجتمع السوري، والانفتاح على صلات وروابط تتجاوز قيود الدِّين والزمن والمكان. فالفنّ يُمكِّننا من الاحتفاء بروح الإبداع لدى الإنسان، وحياتي أصبحت أكثر ثراء نتيجة الطاقة الكامنة في مشاريع فنية وأفكار لا تتوقف برهة عن إلهامي.

يُظهر الواقع أن معظم المجموعات الفنية تصبح غير مجدية من الناحية المالية على المدى الطويل، وينفرط عِقدها في نهاية الأمر. إلا أن هذا الخيار ليس متاحاً بالنسبة لنا. فحماية هذه المجموعة هو أمر ذو أهمية وجودية، وهو يجاري الحفاظ على ثقافة سوريا وإبقاء جذوتها مشتعلة. لا ننظر إلى المجموعة كقيمة مالية، فأهميتها الثقافية أكبر بكثير. إلا أن هذه المقارَبة تنطوي على مسؤولية جسيمة أصبحتُ على دراية بها أكثر فأكثر مؤخراً. وأنا على ثقة بأن هذا يتعلّق بمفهومٍ حاضرٍ دوماً ويتعلّق بفنائنا نحن كأفراد، وهو ما يطرح مسألة زوال أو صمود هويتنا، وبالتالي مجموعتنا. وكما يُقال، لكلّ مجموعة فنية عظيمة بداية ونهاية، وتتمثّل مهمتنا برسم معالِم مستقبل هذه الأعمال.

عودة المجموعة إلى مسقط رأسها في مدينة حمص هو الخيار الطبيعي لتختتم به الأعمال رحلتها. واليوم، وفي ظل غياب هذه الإمكانية – وإن على المدى المنظور – أجد نفسي غارقة في تأمل الوضع الحالي، وكأن كينونتي ووجودي بحدّ ذاته مرتبط بمستقبل المجموعة.

مؤسسة أتاسي هي الجهة الوصية والمؤتمَنة على المجموعة، وعلى إخراجها من الحيِّز الخاص إلى فضاء عام أرحب وانخراط أكبر مع المجتمع الواسع. والمجموعة هي الركيزة المحورية للمؤسسة ولما تقوم به من مبادرات وبرامج. وتتمثل مهمتنا في منح الأجيال الحالية والمستقبلية إمكانية التعرف على المجموعة دون أن يقتصر ذلك على مشاهَدة الأعمال منفردة، بل تكوين فهم عام عن هذه الإبداعات مجتمعة. وعلى المستوى العام، نتطلّع للتعليم والتمكين وأن نكون مصدر إلهام لا ينضب. 

إني على دراية بعدم وجود إجابة حالياً عن السؤال المُلحّ المتعلِّق بمستقبل المجموعة، لكن ما أقوم به في المؤسسة يمنحني نوعاً من الطمأنينة ريثما نتوصّل لإجابة نهائية عن هذه المسألة وتتوضّح خواتيم الأمور. وحالياً يكفي القول إن المؤسسة تجد نفسها بموقع يشهد تقاطعاً بين اقتناء الأعمال الفنية ومبادرات غير ربحية في المجال الثقافي، ودمجاً بين العام والخاص، وبين المنفعة العامة وتحقيق التطلعات الشخصية.