الدراسة

العطاء ريحانة الروح

فإذا الروح تؤلّف الحَول

يغيب التاريخ ويدنو

وبين الدنوّ والمغيب يعبق ريحانُك

سورية الحضارة.

 

 

التصوير، الرسم، الرقش، الزخرفة .. التسمية لا تهم، فالصورة رافقت الحضارة السورية وكانت دوماً صورة رامزة ومعبّرة، لذلك فالكتابة من الصورة أتت .. وكان فجر التاريخ.

 

نحتار كيف نبدأ الحديث عن فن التصوير في سورية، فلو أخذنا بالمعاصر، أي منذ أواخر القرن التاسع عشر، نُغفِلُ الماضي القريب، هذا القريب المتواصل بشفافية مع البعيد، هنا نذكر نهضة السابع عشر في بعث العربية والترجمة وما رافق تلك النهضة من ازدهار فنون الخط العربي والرسم والتزيين والعمارة. أن مصاحف القرآن الكريم المكتوبة بخط نسخيّ مدهش على خلفيات مزخرفة بالتوريق وألوان الذهب والفيروز والورد هي آيات من ذاك الزمن وفيض نور. والأيقونة التي نشط الحلبيون في تصويرها، في ذاك الوقت، رسماً ولوناً، ما كانت إلّا تألقاً في مشرقية الروح.

 

صحيح أن ازدهار الفنون في القرن السابع عشر قد واكب الانفتاح الثقافي والتجاري وحركة العمران، إلّا أنه إلى ذلك كان استمرار الجذور، والجذر يكمن حتى يؤاتيه مناخ يشرئب فيه ويورق.

ففنّ الأيقونة قد بزغ، في منتصف القرن السابع عشر، على يد يوسف المصور الحلبي، وكان مصوراً وخطاطاً ومترجماً، ولكن عاملين كانا وراء عبقرية يوسف: إرادة النموّ الشموليّ في البلاد أولاً، وثانياً التقاليد الفنية المتوارثة، والتي استشعرها يوسف بل عرفها، وكان هو بحاثّة متبحّراً. أقولها رغم إشارات التعجب والاستفهام حول ظاهرة الأيقونة الحلبية والتي ذهب البعض في تأويلها على ذمّة تأثير الغرب في البنية الثقافية في سورية آنذاك.

وتجويد الخط العربي، في تلك الفترة، كان ذروة في الإتقان والتأنق نالا كلّ صيغ الخط، وقد حظي كل من خطي الثلث والنسخ باهتمام خاص، لأن الكتب الدينية تكتب عادة بهما، ففي القرآن الكريم غالباً ما يكتب اسم الصورة بالثلث ونص الآيات بالنسخي.

لقد تمّ ابتكار خطي النسخ والثلث عندما دعت الحاجة إلى تطوير الخط الكوفي أصل الكتابة العربية، وقد اتسمت حروف الخط الكوفي بالاستقامة والثقل بينما جاءت حروف النسخ والثلث مدورة لينة. ويحتمل التساؤل عن زمن الانتقال من الكوفي الصارم إلى الخط المدور إجابات متعددة. من بينها، وفي سورية بخاصة، الكتابات المنقوشة على العمارة، منذ العام السادس الهجري أي الثاني عشر الميلادي، في حلب وحماه ودمشق، وبذلك تعدّ تلك الكتابات في طليعة مبتكرات الخط المدور في تاريخ الخط العربي.

وهكذا يقودنا البحث إلى التوغل في الكشف، في مسيرة تراجعية في الزمن تصاعدية في العبق الفني، فنلمس من خلالها آثار فنون الشكل في سورية، تلك الفنون التي تآلفت وتواكبت حتى صرنا نستدل مما بقي منها عما فُقد، فالتصوير الجداري مثلاً لا يتعايش كثيراً مع الزمن، فإما يمَّحى بفعل التقادم أو يتبعثر مع الجدار الذي يحمله إذا ما الجدار هُدم، ولما كانت نماذج النحت أصلب من التصوير وأكثر تحملاً لعاديات الزمن، لذلك فاللقى المنحوتة في عصر ما تقودنا إلى تخمين مستوى التصوير أو غيره من فنون كانت رافقت النحت في ذاك العصر.

وإلى ذلك فقد تمازجت فنون الشكل هذه، فالنحت لبِسَ لوناً، وصاغ النسيج لوحة، وصارت المشكاة آية.

من هنا فالتصنيف والتفصيل، جريا على العادة المدرسية من هنا فالتصنيف والتفصيل، جريا على العادة المدرسية في التفريق بين الفن الجميل والفن التطبيقي، غير جائز في بحثنا هنا، لأن التفصيل والتصنيف لم يخطرا، في الأصل، على بال الفنان في الشرق، لذلك فإنه، أي الفنان، كان يهدف إلى التواصل مع الغير بواسطة طبق مزركش أو دمية المعبود، وقماش منسوج بألوان متناغمة أو بناء رطب صيفاً دافئ شتاء يضيؤه قمر الليل وتُظِلُّه كرمة ونخلة.

هذا التواصل مع الغير آل بالفن إلى أن يكون وسيلة في الحياة اليومية.

إن عمق هذه التجربة بعيد في المدى. ففي قبرص، على سبيل المثال، وهو موقع على الفرات، وجدت أدوات للعمل أو للاستعمال المنزلي مزينة بأشكال حيوانات، كما وجدت على جدار بيت، في الموقع نفسه، رسوم أنيقة لمجموعة من الطيور، وتعود تلك القطع كلها إلى الألف السابع قبل الميلاد، كما وتفيض حيوية وتعبيراً.

إن التداخل بين أكثر من فن في المنتجة الواحدة: فخار ملون، نحاس مذهب، نمنمة في الخطوط.. الخ..، هذا التداخل كان يتآلف مع فن العمارة في المدينة الواحدة، فتستقطب العمارة الفنون برحابة وتوظفها، وإلى ذلك كان لعمارة الفقراء، فنون تثرى في القصور والمعابد.

تراث هائل، تجده هنا وثمة، حيثما سرت وأنّى توجهت في أرجاء سورية، وأنت تحدق في وجوه الناس وأشيائها وفي الآثار مما فوق وما تحت الثرى.

ومن الجدير بالذكر أنه منذ فترة ليست بالبعيدة ولا تتعدى القرن الثامن عشر الميلادي، كان هناك من يلهو بالأشياء النادرة والأثريات ومصائر الشعوب... رحالة، مكتشفون، أثريون... فبانت لنا تدمير وفينيقيا وماري والتلال... وعرفنا ما عرفناه عن الاسكندر وأنوشروان... وكانت روما وبيزنطة، وكان وكان... فأين يكمن السر!..

هل الجغرافيا، يا ترى الفرات والبحر المتوسط والصحراء!..

أم تاريخ ملتقى الشعوب والحضارات!..

أبجدية الألف الثالث قبل الميلاد!..

أم سومر، أكاد، بابل، آشور، آرام!..

ولغات انتهى بها المطاف إلى العربية مصيراً...

الامبراطورية العربية الأولى وعاصمة الدنيا دمشق الفيحاء، إِرم ذات العماد التي حدّثت عنها الكتب، باقية منذ أول الدهر وإلى اليوم، ومثلها كثير لا يزال حياً مورقاً...

 

أنا لا أكتب تاريخ الفن بل أريد أن أقول أن فنون الرسم والحفر والتصوير أصيلة في سورية وعراقتها من عراقة إنسانها. لذا سأستعرض نماذج، نوعياً لا حصراً، وأجعلها صورة للمعنى الحضاري المتمثل في بلد الحضارة والتاريخ الذي ما زال غنيّ بشرياً وفكراً وفناً.

فمنذ الألف الرابع قبل الميلاد ابتكر السومريون الرَّصف، فغرس الفنان في جدار المنشأة المعمارية قطعاً من خزف ملون مشكلاً زخرفاً هندسياً يتردد بانتظام.

ترى من ابتكر الختم الأسطواني، في الألف الثالث قبل الميلاد!...، إن من أكابر المنحوتات ما يعجز عن مضاهاة هذا المصغَّر الصغير المحفور سلباً روعة ودقة.

 

في الألف الثالث قبل الميلاد وجد في ماري فن الفسيفساء [موزاييك] على لوحات صغيرة تمثل مشاهد من الحياة واستعمل في صنع تلك القطع مواد مختلفة: عاج ولازورد وذهب وحجر ملون، وكانت تجمع القطع على شكل صندوق للحلي أو الآلة الموسيقية.

 

كان أهل مدينة ماري [تل حريري]، على الفرات الأوسط، على دراية بفنون الحياة، كما أتقنوا العمارة وتحكموا بطرق المواصلات المائية والبرية. وقد تجسدت مزاياهم في فنونهم، فالنحت المكتشف نابض بالحياة.. تنبيك بذلك الوجوه والأيدي.. أورتينا، عشتارات، ربة الينبوع، الخطيبان، الراعي.. ، أنك لو تأملت هذه التماثيل مجتمعة مع لوحات الفسيفساء الصغيرة التي ذكرناها ومع ما بقي من قطع التصوير الجداري، لتراءت لك مشاهد من حياة أهل المدينة: سمر، أعراس، عبادات، مشاهد ريفية أو استعداد للحرب.

وأكثر من ذلك فمهم جداً أن تعرف أن تلك الفنون الأصيلة، ولهذه الأصالة معنيان: الأول أنها ليست وليدة فن سابق، والثاني أن لها ملامح ذاتية بقيت تشف من خلال الفنون اللاحقة لها، المحلية منها والوافدة.

ثم إن ايبلا [تل مرديخ]، في الشمال السوري، التي شغلت علم الآثار ولا تزال، لغة ومعرفة، وهي من الألف الثاني قبل الميلاد، كان لها نحتها كذلك.. وإذا كان أسلوب الفن في ماري يميل، إن صح التعبير، إلى المشابهة، فأسلوب ايبلا كان مختلفاً فهو أميل إلى الرمز والتلخيص. وفي كل من المدرستين، ماري وايبلا، لا تخلو القطع الفنية، على صغرها من صفة العملقة.

ولئن اعتبرنا الصياغة فناً من فنون الشكل واللون، فحضارة ايبلا طلعت علينا بنوع راق من صياغة الذهب الحبابي، وذلك سبق تقني لم نر مثيلاً له إلّا في حضارة الاتروسك، في القرن الخامس قبل الميلاد، أي لاحقاً لايبلا بزمن بعيد.

ويستمر ذلك المعنى الحضاري ونحن متوجهون صوب البحر المتوسط. في الجبل، بعل يسيّر الغيم ويأمر العاصفة، وتموز في السّهل يقلّب الفصول...

وحضارة رأس شمرا أوغاريت تتنضد حروف الأبجدية فيها.

من لم يمخر عباب البحر الأبيض المتوسط!..

إنما الفينيقيين قد سبقوا شعوب الأرض وكانوا معلمين.

البحر انفتاح وتبادل وعطاء،

وفي العطاء والتبادل غنى ومتعة.

 

من هنا فقد رصد الباحثون في فن أوغاريت [رأس شمرا] تأثيرات مصرية وميتانية وحثية أي من البحر ومن الداخل، وهذا لعمري دليل معاصرة، في ذلك الزمان، لم تفت أهل الألف الثاني قبل الميلاد. هنا نذكر الفخار ذا الرسوم الملونة والنحت على العاج وعلى الآلاباستر. إنما تماثيل البرونز المطلب بالذهب وقطعة العاج التي تصور ربة الخصب وهي تطعم جديين، تعد نماذج لفن الحياة والخصب والديمومة، في أوغاريت، وتحل هذه القطع أصالة الفن المحلي.

 

ومن الساحل تعود إلى الداخل حيث يشاء الزمان، فيما بين الألف الثاني والألف الأول قبل الميلاد، أن تنشط أحداث تقلب الموازين السائدة قبلاً... تتناحر شعوب وتتمازج حضارات، حثيون، آراميون، آشوريون... كلّ ينصب قصره ويرفع البوابات ويزخرف الجدران الضخمة بالنحت من الخارج والتصوير من الداخل.

لقد بقي لنا منحوتات دالة ومعبرة من قصر تل حلف، وتصاوير من قاعة العرش في قصر برسيب [تل أحمر]، ففي تلك القطع نرى الفنان يتصرف بتلقائية حسب برنامج واضح تتأكد فيه ملامح الأشخاص، كل حسب شأنه ورتبته، بخطوط جريئة ومساحات لونية صريحة، وإذا كانت المشاهد أسطورية فقد عمد الفنان حينئذ في معالجتها إلى الرمز.

 

في الآفاق، رايات تتثنى..

ويتثنى الدمقس على ربات النصر،

أفروديت تعلو الصواري،

ويغترب لبن الرضيع،

أدونيس، تموز، المسيح

الخمر والزيتون.. واللون، والإزميل،

هلنستياً رومانياً، في ذلك الزمان، كان العشق للفصاحة السورية.

 

ثلاثة قرون قبل الميلاد وثلاثة قرون بعده تتمازج فيها فنون بلادنا التي ذكرنا مع فنون وافدة: هلنستية، رومانية، بارثية.. ويكون ذلك أخذاً وعطاء فتشارك بلادنا في إرساء حضارة العالم آنذاك.

 

ثم إن التنوع السياسي الذي حصل جغرافياً، في تلك الآونة، على الأرض السورية قد وجد له انعكاساً على الإنتاج الفني، أريد أن أقول هنا: إن الفنان قد عانى، يومذاك، مشكلة الأصالة والمعاصرة، لأن أي فنان، كان يملك محصلة السنين المؤلفة، حساً وفكراً وكفاءة تقنية، فقد استطاع أن يبني ويبدع بتلقائية وتحدٍّ، آثاراً متميزة في كل مجالات الفن تلفت اليوم أنظار الباحثين المعاصرين.

 

نذكر هنا التصوير بالفسيفساء، فإذا الأمثلة لا تحصى من المناطق، أنطاكية، أفاميا، حماه، تدمر، شهبا... ولا تزال الاكتشافات تأتي بالجديد.

لوحات الفسيفساء كانت تغطي أرض الغرف في الفيلات والقصور والمدارس والمعابد، يتناثر منها البهاء والعجب وتحكي قصص الخرافة أو المجون أو الحكمة.

ونذكر أيضاً الفرسك [التصوير الجداري] الذي كثيراً ما رافق الفسيفساء أو كان لها بديلاً، كما في تدمر ودورا أورويس [صالحة الفرات]. هذه الفرسكات النادرة التي تندرج حلقة أساسية في تاريخ التصوير الشرقي.

ثم نذكر التصوير على الأواني، والمخطوطات على الرق، وصياغة الحلي.

أما النحت فكان الوجه الآخر لفن الشكل ودليلاً على عراقة المهارة. لقد أخرجت لنا أرض اللاذقية كنوزاً منحوتة بالحجر الأبيض، وكذلك أرواد وطرطوس ودمشق، وأتحفتنا حوران بنحوت البازلت الأسود المهيب، وإلى ذلك فقد مهر النحاتون في عمل البرونز فسكبوه قطعاً فنية واستعمالية مدهشة الصنع.

 

أما تدمر فقد اختصت بنحت الأشخاص بتميز وتلخيص. فالتعبير في الوجه التدمري تتقراه عيناك فيقول لك ذاك الوجه: ها أنا ذا أحمل أمامك السر... حتى أن المفكر الكبير أندريه مالرو رأى في تلك الوجوه التدمرية سابقاً للفن البيزنطي ومعلماً.

في فنون تلك الرحلة نرى الصراع بين الاختلاط والخصوصية، وكأن خصوصية فن بلادي كأنه تعبير عما يكنه الصميم بحيث لا يعود الشبه الفيزيقي مهماً.

وعلى ذاك المنوال يستمر الوريث البيزنطي للحضارتين الهلنستية والرومانية، في تعاطي فنون الشكل في سورية في القرن الرابع الميلادي، وبحيث تتغذى نزعات تلك الفنون بالفكر المسيحي السوري، فتقوم الكنائس والمناسك، بهيبة ولطف، في طول البلاد وعرضها، تزين بالفسيفساء والتصوير والنحت والأقمشة.

إن فسيفساء أفاميا والمناطق المحيطة بها وجبل الزاوية، وحلاوة على الفرات وحماه ومعرة النعمان ودير العدس في حوران تصور كلها الجنة على الأرض. وألخص هنا قولاً للسيدة جانين بالتي، الدارسة للفسيفساء في سورية، عن فن تلك المرحلة: فهو فن سوري محض لكونه زخرفياً في جوهره لا يبالي بالعمق والبروز [البعد الثالث] ولأنه لم يعد فناً واصفاً لحكاية بل أصبح معبراً عن رمز.

وجدير أن نذكر النقوش الأيقونوغرافية على التذكارات والسرج وحواجل الزيت، التي كان يحملها الحجاج معهم من الأماكن المقدسة في فلسطين وسورية، وهي قطع لا يتجاوز حجمها راحة اليد، منمنمة الصنع واضحة المعالم.

ولقد استمرت اليد الماهرة الأهلية والورشات العريقة في مزاولة هذا النهج الفني في البيع المسيحية حتى بعد مجيء العرب المسلمين، في مطلع القرن السابع، إلى بلاد الشام. إن بعض اللقى من القرن السابع والثامن تدل على هذا الاستمرار. ثم إن الصور الجدارية التي تم الكشف عنها، في قارا وحمص وقلعة المضيق ودير مار موسى الحبشي، وهي من القرن الثاني عشر أو الثالث عشر الميلاديين، تجيء، بشكل طبيعي، استمراراً لذلك الفن المحلي.

 

ويحين زمان النبوة العربية..

فيحمل عرب الجنوب رسالة الإسلام إلى ذوي القربى في بلاد الشام، وتُتلى السُّور في قبة الصخرة

[الأول الهجري – السابع الميلادي] وفي المسجد الأموي والمآذن الأولى [الثاني الهجري – الثامن الميلادي].

إن خصائص الحضارة الإسلامية في فنون الشكل، تتبلور في سورية في عهد الدولة العربية الأموية [661م-750م]، وتصبح تلك الخصائص نهجاً في العهود العربية والإسلامية التالية.

من السمات الجليلة لفنون الشكل في الحضارة الإسلامية: الأسلبة واعتماد التقابل، في سعي وراء سُموّ الشكل، وبحيث صار الإطار الهندسي الرياضي مرتكزاً والتجريد أصبح يروي تكامل الوجود.

فليس من صورة آدمية في المساجد والمدارس والتكايا بل مع الفسيفساء عجباً لونياً وألقاً وصور "الجنّات تجري من تحتها الأنهار".

أما إذا صار البناء مدنياً كالقصور والقلاع والحمامات فقد أبيح التصوير والنحت المشخّصين عن جدران تلك الأبنية:

مشاهد صيد أو طرب وقيان، كما فاقت العناة بالبستنة والحدائق والري حول القصور الخلوية وحيثما سمحت الأرض بالاستصلاح.

وفي انتقال الحكم إلى العباسيين تستطرد حركة فنون الشكل في مسيرتها في المعنى الإسلامي، أي أن التأثيرات البيزنطية والساسانية التي اعتمدها البناؤون والفنانون في تحقيق النهج الإسلامي الأول توجُّهاً برأي السلطة المدنية الروحية: الخليفة، في بلاد الشام، تلك التأثيرات تتنحى أمام أشكال فنية تعبر عن تطلعات الفكر الإسلامي الجمالية في سموِّ الخطوط وحركة المنحنيات التي تصور همسات الروح وهي تردد اسم العليّ لله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

في السنة 772م يبني الرشيد مدينة الرقة على الفرات آية من آيات العمارة الإسلامية الرافدية في مسجدها الكبير وبوابتها المدهشة، تلك العمارة التي اعتمد فيها الآجر [الطوب] وتوخى فيها الضخامة والعظمة. وفي القصور العباسية ظهرت تيجان أعمدة مختلفة في زخرفتها عن تيجان ورقة الشوك في القصور الأموية، وأخذ الخشب المدهون بزخارف ملونة حيزاً أكبر مما كانت عليه الزخارف الجصيّة النافرة.

وإذا ما بقي فن التصوير الجداري بالألوان فقد اختفى فن الفسيفساء الجداري وظهرت البلاطات الزجاجية القاسية في كسوة الأرضيات.

إن حركة الترجمة العربية التي بدأت في الفترة الأموية ورافقها ازدهار الخط الكوفي وتزويق المخطوطات، تأخذ، في الفترة العباسية، انطلاقاً بعيد المدى، فتشمل الترجمة كل المؤلفات في الطب والعلم والرياضيات والفلك ومجالات الفكر، وينعكس ذلك على فنون الكتاب فتثرى تلك الفنون وتتأكد تجارب الخطاطين والرسامين والمصورين بأساليب واضحة ومعبرة.

وقبل أن نتابع الحديث عن الفن الإسلامي في سورية، لا بد من ذكر حقيقة تفي بأن منتشر الإسلام، وقد وسع المشرق والمغرب، جعل من الفكر الإسلامي محرّضاً للفنون شاملاً، فغدت فنون الشكل في الأصقاع والأمطار المختلفة، متشابهة متآلفة بخاصة في بلدان المشرق العربي.

على ضوء ذلك نستطيع رؤية أوضح لفنون الشكل في بلاد الشام في المراحل التاريخية التالية: زمن الفاطميين [العاشر الميلادي] وزمن السلجوقيين [الحادي عشر الميلادي] وزمن نور الدين الزنكي ثم صلاح الدين الأيوبي [ الثاني عشر الميلادي] وزمن المماليك [من الثالث عشر إلى السادس عشر الميلاديين].

ولا عجب فالتصعيد الثقافي والاقتصادي وضرورات الجهاد والدفاع في تلك الأزمان، كلّ ذلك حرّض حركة البناء، فالقلاع والتحصينات قامت على أشدّها ضد تحصينات الفرنجة، والمدرسة أضحت تشكّل وحدة معمارية مع المسجد الذي زُيّن محرابة بأجمل الزخارف وكذلك المنبر، وقامت المستشفيات [البيمارستان] في دمشق وحلب وكانت كلها أبنية حجرية زُيّنت بواباتها بالمقرنصات وعَلَت الكتابات البديعة جدرانها، كما نُظِّمت المدن وشبكات المياه فانتشرت الحمامات والسُّبُل في الأحياء.

وترقّت فنون الزجاج الممّوه بالميناء والفخار المزخرف بالنقوش الغائرة والبارزة والسيراميك المزجج.

واشتهرت صناعة الحفر على الخشب وتلوينه وتذهيبه.

وتألق فن المنمنمات وتجويد الخط العربي، فإلى جانب الخط الكوفي الصارم نرى الأنواع المدورة المتعالية. وكان للصياغة وحياكة وصبغ القطن والحرير نماء وشهرة.

 

وقد بقي من زمن المماليك قطع فنّية تتوزع كثرتها اليوم في متاحف العالم، فبالإضافة إلى مصاحف القرآن الكريم المدهشة رأيناالخزف المزدان بالرسم والألوان، والنحاس المطروق المُنزَّل بالفضة والذهب، والمشكاوات الزجاجيةالمموّهة بالميناء، وقد تسابق أمراء المماليك في استنباط الرّنوك والشارات حتى قلّدهم بذلك صفوة القوم وأصحاب المصالح والمهن.

ويجيء بعد ذلك، الحكم العثماني لبلاد الشام، منذ القرن السادس عشر حتى الحرب العالمية الأولى، وجدير في بحثنا أن نوَّلي هذه الفترة اهتماماً لأن القدرة الجديدة لانطلاقة الحداثة والمعاصرة، في فنون الشكل في سورية، قد تبلورت خلالها.

في محاولة لتصحيح فهم التاريخ العربي تألفت منذ نيف وربع قرن لجان من علماء وبحّاثة في جامعات الجمهورية العربية السورية ومؤسساتها الثقافية، فأصدر هؤلاء الأفاضل بحوثاً جادة في التاريخ كان نصيب الفترة العثمانية منها وافراً [ راجع كتاب الدكتور عبد الكريم رافق: "بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لبلاد الشام في العصر الحديث" دمشق 1985 ]. فبانت الحوادث في إطارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما في ما يخص الإبداع التشكيلي في الفترة العثمانية فعلينا استشفافه من خلال التاريخ العام، لأن توثيق الفعاليات الفنية في تلك الفترة يبدو مقلاً.

كان الهدوء الذي ساد بلاد الشام في القرن السادس عشر قد مكّن العثمانيين من بناء منجزات عمرانية ذات نفع خيري مثل الجوامع والمدارس والتكايا والسبل والحمامات والخانات: مثال ذلك في دمشق التكيّة السليمانية وجامع الدرويشية وجامع السنانية. وفي حلب جامع الخسروية وجامع البهرامية. كما أن حماية قافلة الحج الشامي قد نظمت في تلك الفترة ونظمت كذلك تجارة العبور بين أوروبا والأناضول والشرق.

 

أما في القرن السابع عشر فقد بدت علائم صحوة إقليمية – قومية في المنطقة العربية إبان الحكم العثماني تجلت في بعث التراث العربي في اللغة والأدب، وبدأت معها مظاهر عدم الاستقرار بسبب من تحدي الأمراء المحليين للمركزية السلطانية بغية السيطرة على الفعاليات الاقتصادية في البلاد.

وتتّضح تلك الصحوة – النهضة، في القرن الثامن عشر في بلاد الشام بخاصة، حيث كانت تتوطد العلاقات التجارية مع الغرب [ مثال ذلك إنتاج الحرير وتسويقه في الدويلات الإيطالية ].

يتميز القرن الثامن عشر أيضاً بظاهرتين: الأولى بروز ولاة محليين أقوياء في الشام ولبنان وفلسطين، والثانية انتظام الطوائف الحرفية في البلاد وترسخ تقاليدها [المرجع السابق ص ١٦٠_١٩٢].

في تلك الفترة أيضاً يأخذ زعماء الأحياء دوراً قيادياً في مجتمع المدن، أضف أن حملة نابليون على مصر [ 1798] قد تسربت آثارها، في ذاك الزمن، إلى سورية أيضاً.

وتصبح الصحوة القومية وعياً في القرن التاسع عشر، وتنمو الشخصية العربية بذاك الوعي القومي ويزداد الشعور بالحاجة إلى الاستقلال.

إن أموراً ثلاثة تميز هذه الفترة: أولاً حكم إبراهيم باشا لبلاد الشام [ ١ ٨٣ ١ - ٠ ٤ ٨ ١ ] الذي تمّ خلاله ­تحديث نظم الدولة وفتح القنصليات الأجنبية في البلاد. ثانياً صدور الجرائد العربية في دمشق وبيروت وتأسيس الجمعيات الثقافية، وثالثاً تجهيز ميناء بيروت للسفن التجارية وفتح طريق بيروت — دمشق[ ٣ ٦ ٨ ١ ]. لقد جاء كل ذلك مرافقاً للثورة الصناعية في أوروبا فكان في تدفق بضائع الغرب على البلاد إفقار للحرفيين وإغناء للتجار والوسطاء.

 

يتّضحم ما تقدم من العجالة التاريخية أن بلاد الشام بدأت، في الفترة العثمانية، الاتصال تدريجياً بالغرب الأوروبي وفكره المعاصر، ولا أغالي اذا قلت أن احتلال العثمانيين لبلاد الشام منتصرين بالسلاح الناري على المماليك المتمسكين بتقاليد الفروسية في الحرب، كان غلبة لعقلانية التقنية الأوروبية على حذاقة الشرق الملهمة.

إننا هنا نقرر واقعاً تاريخياً دون أن نخوض نقاشاً حتمياً، لأن الحدث الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو أن اللوحة قد دخلت إلى نوقنا الحضاري عن الطريق الأوروبي، اللوحة المتنقلة التي تعالج صورة أو موضوعاً في إطار مستقل عن استعمالية الأشياء.

 

إنما حيازة اللوحة بقيت استذواقاً عند الخاصة لم تُجارِهم به العامة، فتسويق الأمراء والولاة للحرير والقمح والمنتجات الحرفية الغنية، واقتناء السلاح الناري، وترويج تجارة العبور وحماية القوافل التجارية، قوافل الحج الشامي وما كان يرافقه من أسواق وتبادل للسلع، كل ذلك قد مكّن الحكام والعسكر والإقطاعيين من التعامل مع الغرب وتذوق بعضٍ من عاداته في اللباس وأنماط التصرف.

والأشياء، والمصابيح وتقنية القتال والصورة الشخصية [ بورتريه ].

والأمر الآخر الذي يهمنا تقريره هنا هو أن سورية قد احتفظت، خلال الفترة العثمانية، بفنونها وصناعاتها التقليدية.

ففي القرن الثامن عشر كان الولاة المحليون الأقوياء رعاة للفنون العربية في العمارة والزخرفة، فأسعد باشا العظم في دمشق وأحمد باشا الجزار في عكا والأمير بشير الشهابي في لبنان وضاهر العمر في فلسطين. قد أغنوا قصورهم بثراء من تلك الفنون، مثال ذلك قصر العظم في دمشق وقصر العظم في حماه وقصر بيت الدين في لبنان. . .

ومن جهة أخرى فإن إعجاب العثمانيين بجمال الفنون والصناعات في سورية قد شجع اليد الماهرة كي تذهب إلى اسطنبول، إنمااقتبس السوريون بالمقابل من الفن الاسطنبولي جماليات دخلت في الزخرفة وفي الصياغة والموبيليا والثياب. . .

إن التأثيرات الحضارية المتبادلة بين ذوي القربى أو البعيدين، ليس سهلاً حسبان مداها ولا تقدير كمية الأخذ والعطاء بين الطرفين فيها. والطوائف الحرفية، التي لعبت في بلاد الشام في القرنين السابع عشر والثامن عشر دوراً هاماً، فقدانتظمت بها العلاقات الاجتماعية وتآلف السكان فيهاعلى مختلف الملل والنحل.

كان في الطائفة المعلمين والصنَّاع والأجراء، ويرأس كل واحدة شيخ [ شيخ الطائفة أوشيخ الكار ] يعيّن ببراءة سلطانية. وقد تعددت تلك الطوائف في دمشق وحلب: الحريريين، الزجاجيين، السيوفيية، الصباغين، الصياغ، المعمارية، النجارين، النحاسين، الطباعة [الأقمشة ]، المجلدين. . . الخ... ونستشف من المهن التي ذكرناها وجود صناعات وفنون يدوية: فكسوة الكعبة التي كان يحملها الحج الشامي، كانت تطرز بالحرير وخيوط الذهب. والنجارة العربية كانت الأساس لفن الرقش العجمي، هذاالرقش الذي احتوى آيات بالخط العربي ولوحات تمثل مناظرالمدن والفواكه والأزهار.

وكانت النجارة العربية أساساً لفن الموزاييك الخشبي الشامي الذي يتهافت اليوم على اقتنائه الشرقيون والغربيون على السواء. أوليس تجليد الكتب فناً رفيعاً بما فيه من نقش على الجلد واستخدام للورق الرخامي ! .. ولما كانت أهم الكتب مخطوطات دينية فقد أصبح الكتاب برمته نتاجاً فنياً في خدمة الروحانية الصوفية. والخط العربي الذي مجد روحية الإسلام وصوفيّته، فظلّت تتخذ يد التجويد ذاك الخط حتى بلغ ذروة الإتقان الاسطنبولي الذي سرى بين خطاطي بلاد الشام في العهد العثماني فحفلت به منابر المساجد ومحاريبها وامتلأت جدران البيوت بآيات التسبيح والشكران.

لقد اعتمدت الكتابة العربية اللون: ذهب، سماوي، أزرق وزهري رمزاً للألق السماوي.

وللأيقونة في بلاد الشام ومصر تاريخ في الفترة العثمانية.

ففي سورية ولبنان وفلسطين نميّز منذ القرن السابع عشر، مدرستين:

مدرسةحلب [ القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر ] ومدرسة القدس [ القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر].

فمدرسة حلب استمرت بالتقليد الشرقي الذي كان سارياً في بلاد البلقان وآسيا الصغرى وكريت وقبرص وسورية وفلسطين وسيناء.

أما مدرسة القدس فقد اقتبس رساموها من فن عصر النهضة الأوروبي عن طريق اللوحات الدينية والمطبوعات التي كانت ترد الى الأماكن المقدسة، وقد حاول هؤلاء الرسامون تأويل الفن الغربي تأويلاً شرقياً فجاءت أيقوناتهم مصقولة وهجينة.

وفيما بين المدرستين المذكورتين آنفاً، ظهر في القرن الثامن عشر والتاسع عشر مصورون شعبيون نسخوا عن القديم أيقونات كثيرة بإحساس ساذج وتقنية بدائية. وكان إنتاجهم محبباً إلى الناس فامتلأت به بيوتهم.

هذه الأيقونة الشعبية تهمناعلى الصعيد الفني لأنها تلتقي مع لوحات الفن الساذج الشعبي التي انتشرت في البيوت والدكاكين والمقاهي، وكانت مصورة على الورق أو القماش أو على الزجاج، وتعالج مواضيع الحماسة الشعبية والعاطفة والفروسية.

 

وأما الصور الشخصية التي استساغها الولاة والأمراء في القرن الثامن عشر وانتقل التباهي بها إلى برجوازيي المدن في القرن التاسع عشر، فكانت لوحات كلاسيكية صادقة صورت في بداياتها بأيدي إيطاليين وفرنسيين وأتراك، ومن ثمة فقد احترف الناشئة الموهوبون ذاك النوع من التصوير في كل من بيروت وحلب ودمشق في الوقت الذي انتشر فيه التصوير الفوتوغرافي في البلاد بيد أجنبية ومحلية، هذا التصوير الذي بقي سجلاً لأدق الحركات والتفاصيل.

وأتى منذ القرن الثامن عشر الرحالة والمكتشفون إلى بلاد الشام ومعهم رسامو الآثار والمناظر الطبيعية، وها هي مكتبات العالم ومتاحفه تحفل اليوم بروائع الحفر والطباعة Estampes توثق ما كانت عليه أسواقنا وحاراتنا وأزياء أهلنا، وقد أضاف الباحثون المعاصرون الصور الفوتوغرافية إلى تلك الرسوم وتمت مقارنتها بلوحات الاستشراق فغدت جميعها مصدراً مدهشاً لدراسات تاريخية واجتماعية محققة.

وإلى ذلك فتلك اللوحات من صور شخصية ومصورات طبيعية ورسوم وصور فوتوغرافية كانت الأساس لنهضة فنون الشكل في كلّ من سورية ولبنان منذ الربع الأول للقرن العشرين.

وهكذا فقد التزم رعيل الفنانين الأول باللوحات الواقعية والانطباعية، التي درسوا مبادئها في أكاديميات الغرب. وظهرت بوادر فن النحت، وذلك حتى الأربعينات من القرن العشرين، ثم ظهرت السوريالية والوحشية. وأمعن الفنانون من الجيل الثاني في تتبع مفاهيم الفن المعاصر حتى الستينات حين بدأ الحدث السياسي يأخذ حيزاً كبيراً في مجمل الإنتاج الفني وكذلك الحدث الاجتماعي.

 

ومع توجهات الفنانين السياسية والاجتماعية ظهر التوجه إلى التراث الفني القديم واستيحائه في عمل فن معاصر.